يُؤْمِنُونَ [النحل:64] وقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44] ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"ألا إنِّي أوتيت القرآنَ ومثله معه" [1] يعني السنة. والسنة أيضا تنزل عليهم بالوحي كما ينزل القرآن إلا أنها لا تتلى كما يتلي القرآن وقد استدل الامام الشافعي رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة على ذلك بأدلة كثيرة ليس هذا موضع ذلك. والغرض أنك تطلب تفسير القرآن منه, فإن لم تجده فمن السُّنة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن"فبم تحكم؟ قال بكتاب الله، قال فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي. فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" [2] وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه. وحينئذ إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوا من القرائن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح لا سيما علماءهم وكبراءهم كالائمة الأربعة الخلفاء الراشدين، والأئمة المهتدين المهديين، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم .... ثم ذكر ابن كثير بعد ذلك تفسير التابعين .. ثم التفسير بالرأي المبني على العلم لا الهوى ... إلخ [3]
والمراد بالرأى هنا"الاجتهاد"وعليه فالتفسير بالرأى، عبارة عن تفسير القرآن بالاجتهاد بعد معرفة المفسِّر لكلام العرب ومناحيهم في القول، ومعرفته للألفاظ العربية ووجوه دلالاتها، واستعانته في ذلك بالشعر الجاهلى , ووقوفه على أسباب النزول، ومعرفته بالناسخ والمنسوخ من آيات القرآن, وعلم القراءات, وعلم أصول الدين، وعلم أصول الفقه, وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها المفسِّر.
فالتفسير بالرأى قسمان: قسم جارٍ على موافقة كلام العرب، ومناحيهم في القول، مع موافقة الكتاب والسُنَّة، ومراعاة سائر شروط التفسير، وهذا القسم جائز لا شك فيه، وعليه يُحمل كلام المجيزين للتفسير بالرأى.
وقسم غير جارٍ على قوانين العربية، ولا موافق للأدلة الشرعية، ولا مستوف
(1) - رواه أحمد (17213) بسند صحيح عن المفدام بن معدي كرب رضي الله عنه. وقد تقدم.
(2) - رواه أحمد (22060) وأبو داود (3592) والترمذي (1327) وفي سنده جهالة.
(3) - تفسير ابن كثير (1/ 7) تحقيق: سامي سلامة- الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع
(4) - يُطلق الرأى على الاعتقاد، وعلى الاجتهاد، وعلى القياس، ومنه: أصحاب الرأى: أى أصحاب القياس.