فهرس الكتاب

الصفحة 125 من 142

منها: أن أحسن السؤال ما وقع على سبيل المشافهة، ألا ترى أن الأنبياء عليهم السلام لما سألوا ربهم شافهوه بالسؤال فقالوا: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا} [الأعراف: 23] ، و {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا} [آل عمران: 147] ، و {رَبِّ هَبْ لِي} [آل عمران: 38] ، و {رَبِّ أَرِنِي} [الأعراف: 143] والسبب فيه أن الرد من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد،

ومنها: أنّ العبادة خدمة، والخدمة في الحضور أولى.

ومنها: أن من أول السورة إلى قوله (إياك نعبد) ثناء، والثناء في الغيبة أولى، ومن قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) إلى آخر السورة دعاء، والدعاء في الحضور أولى.

ومنها: أن العبد لما شرع في الصلاة ونوى الصلاة تقربًا إلى الله، ثم إنه ذكر بعد هذه النية أنواعًا من الثناء على الله، فاقتضى كرم الله إجابته في تحصيل تلك القربة، فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، فقال (إياك نعبد وإياك نستعين) .

ومنها: أن الانتقال من باب إلى باب في البيان تلوين للنظم يعطي للكلام روعة، فالانتقال في القول من غيبة إلى خطاب يجدد في النفس الإقبال على الاستمتاع بالتلاوة، والاستمتاع بالسماع، والاعتبار بما في الكتاب، والإقبال الذي يتولد عنه التدبر والتفكر في آيات الله تعالى. وذلك من الأساليب القرآنية كما في قوله عز وجل {اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا .. الآية} [الروم:48] ، وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ} [يونس:22] إلى غير ذلك من الالتفاتات الواردة في التنزيل لأسرار تقتضيها ومزايا تستدعيها [1] .

و منها: ما ذكره أبو السعود: أن يترقى من رتبة البرهان إلى طبقة العيان وينتقل من عالم الغيبة إلى معالم الشهود ويلاحظ نفسه في حظائر القدس حاضرًا في محاضر الأنس كأنه واقف لدى مولاه ماثل بين يديه وهو يدع وبالخضوع والإخبات ويقرع بالضراعة باب المناجاة قائلًا يا من هذه شئون ذاته وصفاته نخصك بالعبادة والاستعانة فإن كل ما سواك كائنًا من كان بمعزل عن استحقاق الوجود فضلًا عن استحقاق أن يعبد أو يستعان ولعل هذا هو السر في اختصاص السورة الكريمة بوجوب القراءة في كل ركعة من الصلاة التي هي مناجاة العبد لمولاه ومئنة للتبتل إليه بالكلية. اهـ [2]

(1) - زهرة التفاسير لأبي زهرة (1/ 62) و تفسير أبي السعود حـ 1 ص 16

(2) - تفسير أبي السعود حـ 1 ص 16

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت