إِلَيَّ مِنَ النِّعْمَةِ، وَحَمِدْتُهُ عَلَى عِلْمِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَالشُّكْرُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى النِّعْمَةِ، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ إِذْ لَا يُقَالُ شَكَرْتُ فُلَانًا عَلَى عِلْمِهِ، فَكُلُّ حَامِدٍ شَاكِرٌ وَلَيْسَ كُلُّ شَاكِرٍ حَامِدًا. وَقِيلَ: الْحَمْدُ بِاللِّسَانِ قَوْلًا، وَالشُّكْرُ بِالْأَرْكَانِ فِعْلًا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا} [الْإِسْرَاءِ:111] وَقَالَ: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا} [سَبَأٍ:13] .أهـ [1]
والعلماء اخْتَلَفُوا: أَيُّهُمَا أَعَمُّ، الْحَمْدُ أَوِ الشُّكْرُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ مِنْ حَيْثُ مَا يَقَعَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، تَقُولُ: حَمدته لِفُرُوسِيَّتِهِ وَحَمِدْتُهُ لِكَرَمِهِ. وَهُوَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ حَيْثُ مَا يَقَعَانِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالنِّيَّةِ، وَهُوَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ، لَا يُقَالُ: شَكَرْتُهُ لِفُرُوسِيَّتِهِ، وَتَقُولُ: شَكَرْتُهُ عَلَى كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيَّ [2] .
5 -الفرق بين الحمد والمدح من وجوه:
الأول: أن المدح قد يحصل للحي ولغير الحي ألا ترى أن من رأى لؤلؤة في غاية الحسن أو ياقوتة في غاية الحسن فإنه قد يمدحها ,ويستحيل أن يحمدها ,فثبت أن المدح أعم من الحمد.
الثاني: أن المدح قد يكون قبل الإحسان وقد يكون بعده, وأما الحمد فإنه لا يكون إلا بعد الإحسان.
الثالث: أن المدح قد يكون منهيًا عنه كما قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} [النجم: 32] , وأما الحمد فإنه مأمور به مطلقا.
6 -الحمد والمدح والشكر متقاربة المعنى , والفرق بينهم أن الحمد نقيض الذم ,كما أن المدح نقيض الهجاء، والشكر نقيض الكفران، والحمد قد يكون من غير نعمة، والشكر يختص بالنعمة، ألا ترى أن الحمد يوضع موضع الشكر ويقال: الحمد لله شكرًا، فينصب شكرًا على المصدر , ولو لم يكن الحمد في معنى الشكر لما نصبه فإذا كان الحمد يقع موقع الشكر فالشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم ويكون بالقلب وهو الأصل ويكون أيضا باللسان وإنما يجب باللسان لنفي تهمة الجحود والكفران، وأما المدح فهو القول المنبئ عن عظم حال الممدوح مع القصد إليه. أهـ. [3]
7 -قال الفخر الرازي: اللَّامُ فِي قَوْلِهِ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) يَحْتَمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً: أَحَدُهَا: الِاخْتِصَاصُ اللَّائِقُ، كَقَوْلِكَ الْجُلُّ لِلْفَرَسِ، وَثَانِيهَا: الْمِلْكُ، كَقَوْلِكَ الدَّارُ لِزَيْدٍ، وَثَالِثُهَا: الْقُدْرَةُ وَالِاسْتِيلَاءُ، كَقَوْلِكَ الْبَلَدُ لِلسُّلْطَانِ.
(1) - تفسير البغوي (1/ 73) ط إحياء التراث ..
(2) - تفسير ابن كثير- ت سلامة (1/ 128)
(3) - ذكره في جامع لطائف التفسير (1/ 65)