فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 142

تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِذَلِكَ وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، و قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَتَبَّعْ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ، فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنْ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنْ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ} حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتْ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ"وفي رواية له:"مع خزيمة أو أبي خزيمة""

وليس المقصود بقول زيد في هذا الحديث: (حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الْأَنْصَارِيِّ لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ) أنها لم تكن محفوظة لأن زيدًا نفسه كان يحفظها وكذا غيره، وإنما أراد الكتابة لأنه كان يجمع بين الحفظ والكتابة زيادةً في الاحتياط.

وقد انتهج زيد بن ثابت في جمع القرآن خطة رشيدة في غاية الدقة والإحكام على ما رسمه له الصديق رضي الله عنه. فلم يكتف بما حفظه بنفسه ولا بما سمعته أذنه من النبي ولا بما كتبه هو, بل ظل يستقصي ويتتبع آخذًا على نفسه أن يعتمد في جمع القرآن على مصدرين معًا:

أولًا: ما كان محفوظًا في الصدور

ثانيًا: ما كان مكتوبًا بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

وبلغ من شدة حرصه على أنه كان لا يقبل شئًا من المكتوب إلا بعد أن يشهد عليه شاهدان عدلان أنه كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. يدل على ذلك ما رواه ابن أبي داود أن عمر بن الخطاب قَدِمَ فقال: من كان تلقى من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعُسب، وكان لا يقبل من أحدٍ شيئًا حتى يشهد شهيدان". وما رواه أيضًا ابن أبي داود- في المصاحف- أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد فمن جاءكما بشاهدين على شيءٍ من كتاب الله فاكتباه"قال السخاوي: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] .

(1) - التبيان في علوم القرآن ص:63

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت