إمكان الجمع بينها وبين الظاهرالمراد من الآيات الكريمة. [1] وهذا علم وهبي يُنال بالتقي والاستقامة والصلاح لقوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ} {البقرة:282} .
وهذا النوع من التفسير اختلف العلماء فيه, فمنهم من أجازه ومنهم من منعه حتى لا يكون مدعاة للتفسير بالهوى والتلاعب في آيات الله كما فعل الباطنية فيكون ذلك زندقةً وإلحادًا.
واستدل المجيزون بما رواه البخاري في صحيحه (4686) عند تفسير سورة النصر: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ تُدْخِلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إِنَّهُ مَنْ قَدْ عَلِمْتُمْ فَدَعَاهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَهُ مَعَهُمْ فَمَا رُئِيتُ أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلَّا لِيُرِيَهُمْ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر:1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا, وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا, فَقَالَ لِي: أَكَذَاكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ فَقُلْتُ: لَا , قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَهُ لَهُ, قَالَ: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:3] فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ". فهذا الفهم من ابن عباس لم يفهمه بقية الصحابة الموجودين, وإنما فهمه عمر وابن عباس فقط."
واستدلوا أيضًا بالحديث الذي في الصحيحين: البخاري (454) ومسلم (2382) :عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ, فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ إِنْ يَكُنْ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْعَبْدَ, وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا"فأبو بكر فهم بطريق الإشارة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو العبد المُخَيَّر ولم يفهم ذلك باقي الحاضرين."
ولقد بالغ قوم في التفسير بالإشارات والخواطر وفُتنوا بذلك حتى ظنوا أنّ ما جاء في الكتاب والسنة ما هو إلاّ سوانح وواردات, وشطحوا مع تخيلاتهم , ولم يتقيدوا بتكاليف الشريعة ولا قوانين اللغة التي نزل بها القرآن, وخيّلوا للناس أنهم هم أهل الحقيقة الذين أدركوا الغاية واتصلوا بالله تعالى وأخذوا عنه بلا واسطة, وأسقطوا التكاليف الشرعية بتأويلاتهم الباطلة, فهدموا الدين وأتوا على بنيانه من القواعد.
(1) 3 - الصابوني/ التبيان ص:191