فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 258

ومع أنَّ أبا الحسن الجرجاني يقول: (( الشاذ: ما يكون مخالفا للقياس من غير نظرٍ إلى قلة وجوده وكثرته ) ) [1] . إلا أنَّ هذا اللفظ ثقيلٌ إذا ما اسْتعمل في كلام الله تعالى، ولذلك نجد الجاحظ يرفض أنْ يكون في كلام الله شذوذٌ وما يستغنى عنه [2] .

وجاء لفظ (لغو) كذلك على لسان عدد من النحويين، وهم يتحدثون عن كلام الله تعالى، فهذا سيبويه يقول: (( وتقول: لا مَنْ يَأْتِكَ تُعْطِه ولا مَنْ يُعْطِكَ تَأْتِه، مِنْ قِبَلِ أَنَّ(لا) لَيْسَتْ كَإِذْ وَأَشْبَاهِهَا، وذلك لأَنَّها لَغْوٌ بمنزلة (مَا) في قوله عزَّ وَجَلَّ: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [3] ) [4] .

وإذا علمنا أنَّ اللغو: (( ضمُّ الكلام ما هو ساقط العبرة منه وهو الذي لا معنى له في حق ثبوت الحكم ) ) [5] أدركنا أنَّ من غير اللائق اسْتِعمال هذا اللفظ لوصف كلمةٍ أو حرفٍ في كتاب الله، جلَّ جلاله، ويؤكِّد لنا ذلك الاسْتِعمال القرآنيُّ للكلمة، فقد وردت في عدة مواضع في القرآن الكريم، لم تكن في واحدةٍ منها صفةً محمودةً، وإنَّما كانت في كلِّ مواضع ورودها صفةً ذميمةً ترفّع الله بالمؤمنين الصادقين عن الاتْصاف بها، فكيف نتجرَّأ على وصف كلام الله جلَّ جلاله بهذه الصفة؟.

قال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ} [6] ، وقال: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [7] ، وقال: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاما} [8] ، وقال: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [9] ، وقال: {يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ} [10] .

(1) التعريفات (72)

(2) ينظر إعراب القرآن المنسوب للزجاج (1/ 134)

(3) آل عمران: 159

(4) الكتاب (3/ 76)

(5) التعريفات (108)

(6) المؤمنون: 1 - 3

(7) القصص: 55

(8) الفرقان: 72

(9) البقرة: 225

(10) الطور: 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت