وبناءً على هذه الأقسام، تَكْثُر الآراء، وتَتَعَدَّد الوجوه، ويضيع المعنى بين ما قاله فلان ورفضه فلان، على نحو تعدُّد الآراء حول (لا) في قوله تعالى: {لِئلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [1] :
فبعضهم قال: إنَّها زائدةٌ للتوكيد [2] ، ومنهم من قال: إنَّها زائدةٌ ودخولها في الكلام كخروجها [3] ، ومنهم من قال: إنَّها زائدةٌ شذوذًا في مواضع يُوقَفُ فيها مع السماع [4] .
وبين قبول النحويين لزيادة الحروف في القرآن الكريم مع إعطائهم معنًى للحرف الزائد ورفض آخرين الزيادة في القرآن الكريم، نجد من النحويين من غالى في تأكيد زيادة الحروف في القرآن الكريم وقبولها، وإنْ لم يكن للحرف الزائد أيّ معنى، فهذا أبو عليّ الفارسيّ يقول عن زيادة الحروف: (( وربَّما أنكر منكرون وقوع هذه الحروف زوائد وليس يخلو إنكارهم لذلك من أنَّهم لم يجدوه في اللغة فلم يُدْخِلُوا فيها ما لم يجدوه منها، أو يكونوا أنكروه لرأيٍ رأوه، فإنْ كانوا أنكروا لأنَّهم لم يجدوه في اللغة فيجب إذا وجدوا من ذلك ما لا مصرف له في التنزيل والشعر وسائر الكلام إلا إلى الزيادة أنْ يتركوا إنكاره، لما رأوه إليه لأنَّ ذلك الرأي فاسدٌ، لدفعه الوجود ونفيه الموجب. وفي التنزيل {لِئلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ، و {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ} [5] ، و {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ} [6] . وفي الشعر من ذلك ما لا يحصى كثرةً، ولا مصرف له إلا إلى الزيادة.
فإنْ قال قائل: فيما كان منه في التنزيل إنَّه للتأكيد، فهو قولٌ، ويجوز عندي أنْ يكون فيه زائدة لغير التأكيد، ألا ترى العرب يزيدونها في النثر وحيث لا حاجة إلى إقامة الوزن، كما يزيدونها في النظم وحيث يُقام الوزن في نحو (آثرًا ما) ، و (لاسيَّما) وشبهه، والتنزيل على لسانهم نزل وبلغتهم جاء ... ألا ترى أنَّ فيه مثل قوله {لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [7] ، ومثل {قَاتَلَهُمْ اللَّهُ} [8] و {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [9] و {أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ} [10]
(1) الحديد: 29
(2) ينظر الكتاب (4/ 222)
(3) ينظر الجنى الداني في حروف المعاني (302 - 303)
(4) ينظر رصف المباني في شرح حروف المعاني (273 - 274)
(5) نوح: 25
(6) آل عمران: 159
(7) طه: 44
(8) التوبة:30
(9) المرسلات: 15
(10) مريم: 38