فهرس الكتاب

الصفحة 111 من 258

وكلُّ هذا على ما في عُرْفهم ومجرى خطابهم. وإذا كان كذلك لم يمتنع زيادتها أوَّلا، كما تزداد وسطا، وطرفا )) [1] .

لم يكن أسلوب أبي علي الفارسي في محاولة إقناع منكري الزيادة في القرآن الكريم أسلوبًا ناجحًا ولم يكن موفقًا في سرد أدلَّته، ويمكن نقد كلامه من أوجه:

الأوَّل: ورود الحروف زائدة في شعر العرب ونثرهم ليس دليلا على إمكانيَّة إثبات وجود الزيادة في القرآن الكريم، لأنَّ الجميع يعلم أنَّه يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره في الخروج عن القواعد العامة للعربيَّة لضرورة الوزن والقافية. فهذا الباب مما لا يُقَاس عليه. فضلا عن أنَّ النحويين يَرَوْنَ للزيادة فوائِدَ معنويَّة، كالتوكيد، وإنْ لم تكن موجودةً فلابدَّ من وجود فائدة لفظية (( هي تزيين اللفظ، وكون زيادتها أفصح، أو كون الكلمة أو الكلام بسببها تهيأ لاسْتِقامة وزن الشعر ولحُسن السجع، أو غير ذلك من الفوائد اللفظيَّة ) ) [2] ، غير أنَّ كلام الله، جلَّ جلاله، معجز لا يضاهيه كلام ولا ضرورة تُلْجِئه إلى التزيين والتكلف.

الثاني: يَقْبَل أبو عليٍّ الفارسيّ الزيادة في القرآن الكريم من غير فائدة معنوية، ويراها تُزاد في الشعر والنثر بلا فائدة لفظية. فما الحرف الزائد في نظره وما ضرورة وجوده في الجملة؟ إلا أنْ يكون عبثا، وهذا ما يراه النحويون، وقد ذكرت في موضع سابق أقوال العلماء في هذا الشأن، وأزيد هنا قول الاسترآبادي في عدم تجويز خلو الحرف الزائد من الفوائد اللفظيَّة والمعنويَّة معا (( وإلا لَعُدَّت عبثًا، ولا يجوز ذلك في كلام الفصحاء، ولاسيَّما في كلام الباري تعالى ) ) [3] .

الثالث: في قوله: (( إذا وجدوا من ذلك ما لا مصرف له في التنزيل والشعر وسائر الكلام الزائد إلا إلى الزيادة، أنْ يتركوا إنكاره ) ) [4] . كان ينبغي له أنْ يُعْمِل فكره في البحث عن معنًى للحرف الزائد، فإذا عجز، يحقُّ له حينذاك أنْ يُقَرِّر أنْ لا مصرف لهذه المواضع إلا إلى الزيادة، أو يترك الأمر فيها لغيره يجتهد في دفع اللغو أو الزيادة عن القرآن الكريم.

الرابع: ضرب أبو علي الفارسي أمثلةً من القرآن الكريم جاءت على ما تَعَارف عليه العرب في مجرى خطابهم واستدلَّ بها على قبول الزيادة.

(1) المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات (343 - 345)

(2) شرح الكافية (4/ 433)

(3) شرح الكافية (4/ 433)

(4) المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات (344)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت