فهرس الكتاب
أمَّا الذين ذهبوا الى أنَّ (لا) في هذه الآية زائدةٌ للتوكيد؛ فمنهم الأخفش بقوله: (( ... فزيدت توكيدًا، كما قال: {لِئلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} أي لأنْ يعلم ) ) [1] .
غير أنَّنا نجد رأيًا آخر في (لا) هذه، تبنَّاه عدد من النحاة والمفسرين، وهو أنَّ معناها النفي، نحو ما ورد في إعراب القرآن المنسوب للزجَّاح (( والذي يوجبه اللفظ على ظاهره أنْ يكون الضمير في(يقدرون) للنَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم وآله والمؤمنين، والمعنى لئلا يعلم اليهود والنصارى أنَّ النَّبي، صلَّى الله عليه وآله والمؤمنين، لا يقدرون على ذلك، وإذا لم يعلموا أنَّهم لا يقدرون فقد علموا أنَّهم يقدرون عليه، أي إنْ آمنتم كما أمرتكم آتاكم الله من فضله، فعلم أهل الكتاب ذلك ولم يعلموا خلافه، والعلم في هذا ومثله يوضع موضع وقوع الفعل، لأنَّه إنَّما يعلم الأشياء واقعةً بعد وقوعها. قال أبو سعيد السيرافي: إنْ لم تجعل (لا) زائدةً جاز، لأنَّ قوله: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَئلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} أي يفعل بكم هذه الأشياء ليتبيَّن جهل أهل الكتاب وأنَّهم لا يعلمون ما يؤتيكم الله من فضله لا يقدرون على تغييره وإزالته عنكم, فعلى هذا لا يحتاج إلى زيادة (لا ) )) [2] .
وقال الرازي في الآية نفسها (( قال الواحديُّ هذه آية مُشْكلة وليس للمفسِّرين فيها كلامٌ واضحٌ في كيفية اتِّصال هذه الآية بما قبلها. واعْلم أنَّ أكثر المفسِّرين على أنَّ(لا) ههنا صلةً زائدةً، والتقدير: ليعلم أهل الكتاب، وقال أبو مسلم الأصفهاني وجمعٌ آخرون: هذه كلمة ليست بزائدةٍ، ونحن نفسِّر الآية على القولين بعون الله وتوفيقه: (أمَّا القول المشهور) : وهو أنَّ هذه اللفظة زائدةٌ، فاعْلم أنَّه لابدَّ ههنا من تقديم مُقدِّمة وهي: أنَّ أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل كانوا يقولون: الوحي والرسالة فينا والكتاب والشرع ليس إلا لنا، والله تعالى، خصَّنا بهذه الفضيلة العظيمة من بين جميع العالمين. إذا عرفت هذا فنقول: إنَّه تعالى لمَّا أمر أهل الكتاب بالإيمان بمحمَّد، عليه الصلاة والسلام، وعدهم بالأجر العظيم على ذلك الإيمان، أتبعه بهذه الآية. والغرض منها أنْ يزيل من قلبهم اعتقادهم بأنَّ النبوة مختصَّة بهم وغير حاصلةٍ إلا
(1) معاني القرآن (2/ 467، 495) ، وينظر الأصول في النحو (2/ 211) ، الكشاف (4/ 68) ، المفصل في صنعة الإعراب (424) ، شرح المفصل (8/ 136) ، شرح اللمع (1/ 93) ، التبيان في إعراب القرآن (2/ 1211) ، البحر المحيط (8/ 229) ، مغني اللبيب (1/ 480) ، إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن (1/ 501)
(2) إعراب القرآن المنسوب للزجاج (1/ 133 - 134) ، وينظر مجمع البيان (5/ 245) ، البرهان في علوم القرآن (4/ 357)