فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 258

في قومهم، فقال إنَّما بالغنا في هذا البيان، وأطنبنا في الوعد والوعيد ليعلم أهل الكتاب أنَّهم لا يقدرون على تخصيص فضل الله بقومٍ معينين، ولا يمكنهم حصر الرسالة والنبوة في قوم مخصوصين، وأنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء ولا اعْتراض عليه في ذلك أصلا. أمَّا القول الثاني، وهو أنَّ لفظة (لا) غير زائدة, فاعْلم أنَّ الضمير في قوله: {أَلَّا يَقْدِرُونَ} عائدٌ إلى الرسول وأصحابه، والتقدير: (لئلا يعلم أهل الكتاب أنَّ النَّبي والمؤمنين لا يقدرون على شيءٍ من فضل الله, وأنَّهم إذا لم يعلموا أنَّهم لا يقدرون عليه فقد علموا أنَّهم يقدرون عليه) ، ثُمَّ قال: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} أي وليعلموا أنَّ الفضل بيد الله, فيصير التقدير: إنَّا فعلنا كذا وكذا لئلا يعتقد أهل الكتاب أنَّهم يقدرون على حصر فضل الله وإحسانه في أقوامٍ معينين، وليعتقدوا أنَّ الفضل بيد الله.

واعْلم أنَّ هذا القول ليس فيه إلا أنَّا أضْمرنا فيه زيادة, فقلنا في قوله: {وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ} تقدير: (وليعتقدوا أنَّ الفضل بيد الله) , وأمَّا القول الأوَّل: فقد افْتقرنا فيه إلى حذف شيءٍ موجودٍ، ومن المعلوم أنَّ الإضمار أَوْلَى من الحذف, لأنَّ الكلام إذا افْتقر إلى الإضمار لم يُوهم ظاهره باطلا أصلا، أمَّا إذا افْتقر إلى الحذف كان ظاهره موهمًا للباطل، فعلمنا أنَّ هذا القول أَوْلَى والله أعلم )) [1] .

وقال المدرسي: (( في الآية وجهان: يكون المعنى على الوجه الأوَّل: لكي لا يقنطوا من رَوْحِ الله وفضله فيبرِّروا بذلك عدم إيمانهم بالرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، والكتاب الجديد، أو يبرِّروا عدم سعيهم إلى الفضل، كلا، فدعوة الله ووعده للجميع. أمَّا على الوجه الثاني: فيكون المعنى: لكي لا يظنَّ أهل الكتاب(النصارى واليهود) أنَّ الفضل حكرٌ عليهم, وأنَّ المؤمنين المسلمين لا سبيل لهم إلى فضله تعالى، كلا، (وأنَّ الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) ويبدو أنَّ أهل الكتاب كانوا يعيشون عقدتين خطيرتين: الأولى: أنَّهم العنصر الأسمى فالفضل لهم لا لغيرهم، الثانية: أنَّهم لو آمنوا لا يتساوون في الفضل مع السابقين من المسلمين لأنَّهم عرب وهم غرباء, أو لأيِّ سببٍ آخر، وخاتمة الآية وربَّما فاتحتها أيضًا تنفي كلتا العقدتين، لأنَّ الفضل بيد الله، فإنَّه يؤتيه للمسلمين كما آتاه سابقا لأهل الكتاب عندما آمنوا برسلهم. ثم لأنَّ الفضل بيد الله، فإنَّه لا يميِّز بين عربيٍّ وأعجميٍّ, وسابقٍ ولاحقٍ ... )) [2] .

(1) تفسير الرازي (29/ 247 - 248) ، وينظر حاشية الشهاب على تفسير البيضاوي (8/ 164) ، الجديد (7/ 114 - 115) .

(2) من هدي القرآن (15/ 122 - 124) ، وينظر من وحي القرآن (22/ 59)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت