فهرس الكتاب
يوم القيامة، وقد فتح الله سبحانه هذا المدخل الذي يدخل منه أهل الكتاب إلى هذا المنزل الكريم, لئلا يعلموا أنَّهم لا يقدرون على شيءٍ من فضل الله, ولئلا يقع في تصوُّرِهم أنَّهم مَحْجُوْبُون عن هذا الفضل, لا يستطيعون بلوغه بحال أبدًا, إذْ كان، كما خُيِّل إليهم، أنَّه فضل خاص بالعرب وحدهم، كلا، إنَّه فضل الله يناله كل مستجيب لله، مؤمن برسول الله .. وألا فليعلم أهل الكتاب أنَّهم قادرون على أنْ ينالوا هذا الفضل، إذا هم دخلوا فيما دخل فيه العرب، فإنَّ الفضل بيد الله وحده لا بيد العرب، ولا بيد بني العرب، بل هو بيد الله وحده يؤتيه الله من يشاء والله ذو الفضل العظيم الذي يسع فضله الناس جميعا، دون أنْ ينقص منه شيء.
فالقدرة في الآية الكريمة ليس معناها القدرة المتحكِّمة, المتمكِّنة, وإنَّما معناها الاسْتِطاعة التي تُمَكِّن صاحبها من بلوغ ما بلغه غيره من الناس في السبق إلى منازل الفضل والإحسان. ومعنى القدرة على فضل الله، إمكان التعرض له، والنيل منه، على حساب ما يعمل الإنسان في سبيل مرضاة ربه وابْتِغاء رضوانه ... والآية الكريمة إنَّما تُخاطب بهذا أهل الكتاب، الذين غلب على تفكيرهم وخاصَّة اليهود منهم أنَّهم شعب الله المختار، وأنَّ الله سبحانه، إذا اختار شعبا، كما يزعمون، فإنَّ فضله كلَّه يَتَّجِه إلى هذا الشعب, فلا تكون منه بعد هذا بقية ينالها أحد، وهذا من سوء ظنِّهم بالله، وتصَوُّرِهم القاصر المحدود، لجلاله وعظمته وكماله, ولهذا كان الحديث إليهم عن شيءٍ من فضل الله، وأنَّ هذا الشيء من فضل الله، يسع الوجود كلَّه. وإذن فلا يحجبهم عن الإيمان برسول الله، هذا الشعور الخاطئ الذي يعيشون به, والذي يخيَّل إليهم منه أنَّ العرب إذ سبقوا إلى فضل الله, فلن يكون لأحدٍ من بعدهم نصيبٌ من هذا الفضل )) [1] .
وأجدني منجذبةً إلى قولي الأستاذ الخطيب والشيخ المدرسيّ، لله درُّهما على هذه الإشراقات في النظر إلى آيات القرآن الكريم، وقَدْحِ الفكر وصولا إلى حقيقة المعاني ووضوحها، تنزيهًا لكلام الحقِّ، عزَّ وجلَّ، عن الزيادة واللغو.
(1) التفسير القرآني للقرآن (27/ 802 - 806)