الحروف إلا في تضاعيف الكلام, فينفصل عن هذا بأنَّ القرآن كلَّه كالسورة الواحدة، وهو في معنى الاتِّصَال فجاز فيه هذا )) [1] .
ولا يخفى ما في هذا القول من مغالطات:
أوَّلها: ادِّعاء الزيادة في القرآن الكريم على نحو ما ذكرت آنفًا
ثانيها: الاسْتِدْلال بالآية الكريمة {لِئلا يَعْلَمَ} , وقد ناقشت ذلك في موضعه.
ثالثها: ادِّعَاء جواز الابْتِدَاء في الكلام بالزائد والاسْتِدْلال عليه بأنَّ القرآن الكريم كالسورة الواحدة.
لقد رفض كثيرٌ من النَّحويين والمفسِّرين ابْتِداء الكلام بالزائد، وعلى رأسهم الفرَّاء، إذْ جاء في معانيه: (( وقوله:(لا أُقْسِمُ) كان كثيرٌ من النحويين يقولون: (لا) صلة, قال الفرَّاء: ولا يُبْتَدَأ بجحدٍ, ثُمَّ يُجْعَل صلةً يُرَادُ به الطرح، لأنَّ هذا لو جاز لَمْ يُعْرف خبرٌ فيه جحدٌ من خبرٍ لا جحد فيه )) [2] .
وقال الزمخشريُّ في تفسير قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [3] (( إدخال(لا) النافية على فِعْل القَسَمِ مُسْتفيضٌ في كلامهم وأشعارِهم قال امْرؤ القيس:
لا وأَبِيْكِ ابْنَةَ العَامِرِيّ ... لا يَدَّعِي القَوْمُ أَنِّيْ أَفِر ... ...
وفائدتها توكيد القسم, وقالوا: إنَّها صلةٌ مثلما في {لِئلا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} ... واعترضوا عليه بأنَّها إنَّما تُزَاد في وسط الكلام لا في أوَّله. وأجابوا بأنَّ القرآن في حكم سورةٍ واحدةٍ مُتَّصِلٌ بعضه ببعض، والاعْتِراض صحيحٌ لأنَّها لَمْ تقع مزيدةً إلا في وسط الكلام ولكنَّ الجواب غيرُ سديدٍ, ألا ترى إلى امْرِئ القيس كيف زادها في مُسْتَهَلِّ قصيدته, والوجه أنْ يُقَال هي للنفي, والمعنى في ذلك: إنَّه لا يُقسم بالشيء إلا إِعْظَامًا له ... )) [4] .
ولي علي كلام الزمخشريّ هذا بعض المآخذ، وإنْ كان رأيه أنَّ (لا) لا تقع مزيدة في بداية الكلام، منها: قوله في بداية كلامه (إدخال لا النافية على فعل القسم مُسْتَفِيْض في كلامهم) ، واسْتَشْهَدَ بقول امْرِئ القيس (لا وأَبِيْكِ) ونلحظ هنا أنَّ كلامه لا يتَّفِق مع شاهده لأنَّه قال: (إدْخَال(لا) النافية على فعل القسم). و (لا) النافية في الشاهد لَمْ تَدْخُل على فعل القسم وإنَّما سَبَقَت القَسَمَ نفسه.
(1) المحرر الوجيز (5/ 401) ، وينظر مجمع البيان (5/ 393) ، تفسير القرطبي (19/ 91) ، شرح المفصل (8/ 109، 136)
(2) معاني القرآن (3/ 207)
(3) القيامة: 1
(4) الكشاف (4/ 189)