فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 258

وغير هذا، فقد وضَّحْتُ في موضعٍ سابقٍ أنَّ (لا) النافية الواردة في بيت امْرِئ القيس ليست زائدةً وإنَّما هي نفيٌ لما في ذهن السَّامع من احْتِمَالاتٍ أو شكوكٍ مفترضةٍ، وهي مُؤَكِّدَةٌ للنفي الذي أتى بعدها. ولا مسوغ للإعادة هنا.

وإذا عُدْنَا إلى عبارته الأولى التي يقول فيها (إدْخَال(لا) النافية على فعل القسم مُسْتَفِيْضٌ في كلامهم) نجدها غير صحيحة وقد أوضحت في الفصل الأوَّل إنَّ صيغة (لا أُقْسِمُ) لم تُسْتَعْمَل في كلام العرب وأشعارهم، ولَمْ أجِدْهَا إلا في القرآن الكريم [1] .

وفي قوله: (الاعْتِراض صحيحٌ لأنَّها لَمْ تقع مزيدةً إلا في وسط الكلام ولكنَّ الجواب غير سديدٍ، ألا ترى إلى امْرِئ القيس كيف زادها في مُسْتَهَلِّ قصيدته) ارْتِبَاطٌ بما قَدَّمْتُ من أنَّ (لا) في بيت امْرِئ القيس ليست زائدةً، ومِنْ ثَمَّ يكون اسْتِشْهَاده في غير موضعه على وفق ما بَيَّنْته.

وللردِّ على من قال: إنَّ حرف النفي (لا) لا يُزَاد في أوَّل الكلام, ولكنْ لأنَّ القرآن الكريم كلَّه كالسورة الواحدة لاتِّصال بعضه ببعض جاز زيادة (لا) في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} [2] لأنَّ أوَّل هذه السورة أصبح جاريًا مجرى وسط الكلام. أذكر قول الرازي: (( إنَّ القرآن كالسورة الواحدة في عدم التناقض, فأمَّا في أنْ يُقْرَن بكلِّ آيةٍ ما قُرِنَ بالآية الأخرى فذلك غير جائزٍ, لأنَّه يُلْزِم جواز أنْ يُقْرَن بكلِّ إثباتٍ حرف النفي في سائر الآيات، وذلك يقتضي انْقِلاب كلِّ إثباتٍ نفيًا وانقلاب كلِّ نفيٍ إثباتًا، وإنَّه لا يجوز ) ) [3] . وقول الزركشي في موضوع الزيادة: (( حقُّها أنْ تكون آخرًا وحشوًا، وأمَّا وقوعها أوَّلا فلا لما فيه من التناقض. إذْ قضية الزيادة إمكان اطِّرَاحِها، وقضية التصْدِير الاهْتِمَام، ومِنْ ثَمَّ ضُعِّفَ قول بعضهم بزيادة(لا) في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ} )) [4] .

وما قيل عن رفض زيادة (لا) في مطلع السوَرِ مثل سورتي القيامة والبلد يمكن تطبيقه على باقي المواضع، كقوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ} [5] فالفاء حرف اسْتِئْنَافٍ و (لا) حرف نفيٍ [6] في مطلع الآية، فالعناية يجب أنْ تكون به لا بحرف الاسْتِئْنَاف، ومِنْ ثَمَّ لا تجوز زيادته.

(1) ينظر الواقعة: 75، الحاقة: 38 - 39، المعارج: 40، القيامة: 1، 2، التكوير:15، الانشقاق:16، البلد:1

(2) القيامة: 1

(3) تفسير الرازي (30/ 214) ، وينظر الخازن (4/ 369 - 370) ، روح المعاني (29/ 135 - 136) .

(4) البرهان في علوم القرآن (3/ 74)

(5) الواقعة: 75

(6) ينظر إعراب القرآن للكرباسي (8/ 27)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت