فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 258

المُبْتَدأ منه، وغير المبتدأ: كقولك في الكلام: لا والله لا أَفْعَلُ ذَاكَ, جعلوا (لا) وإنْ رأيتها مُبْتَدَأة، ردًا لكلامٍ قد كان مَضَى، فلو أَلْقَيْت (لا) ممَّا يُنْوَى به الجواب لَمْ يكن بين اليمين التي تكون جوابًا، واليمين التي تُسْتَأْنَف فرقٌ. ألا ترى أنَّك تقول مُبْتَدِئًا: (والله إنَّ الرسولَ لحقٌّ) فإذا قلت: (لا والله إنَّ الرسولَ لحقٌّ) فكأنَّك أَكْذَبْتَ قوما أنكروه، فهذه جهة (لا) مع الإقسام، وجميع الأيمان في كلِّ موضعٍ ترى فيه (لا) مُبْتَدأ بها, وهو كثيرٌ في الكلام )) [1] . فالفرَّاء في تفسيره لقوله تعالى: (لا أُقْسِمُ) من أوَّل سورة القيامة، جعل (لا) في هذه الآية ومثيلاتها (ردًا على الذين أنكروا البعث والجنَّة والنَّار) فجاء الإقسام بالردِّ عليهم، وضرب مثلا لصيغة (لا أُقْسِمُ) في الكلام وهي قولك: (لا والله لا أفْعَلُ ذَاكَ) .

وكنت قد أَوْضَحْتُ آنفًا الفرق بين قولنا (لا أُقْسِمُ) وبين (لا وَأَبِيْك) ، (لا وَرَبِّكَ) ثُمَّ الفرق بينهما وبين (لا والله لا أَفْعَلُ ذَاكَ) في الرأي الأوَّل: القول بزيادة (لا) ، وأُلَخِّصُ الفرق هنا بأنَّ قولك: (لا وَأَبِيْكِ) قسمٌ على النفي، والواضح أنَّ بعد (لا) النافية أتى المُقْسَمُ به، وتكون (لا) هنا نافية لما يُتَوَهَّم أو لما في أذهان الناس من احْتِمَالاتٍ أو ... إلى آخره، ويكون الكلام بعدها منفيًّا مثل قول امْرِئ القيس:

(لا وأَبِيْكِ) ابْنَة العَامِرِيّ ... لا يَدَّعِيْ القَوْمُ أنِّي أَفِر

فنلحظ قوله (لا يَدَّعِي) منفيًا والنفي الأوَّل ليس فقط يُمَهِّد له ويُؤَكِّدُه، وإنَّما هو يُوْصِلُ أهمّ ما في بيت الشعر عاجلا، وهو النفي ليطرق الأسماع من فوره ملخِّصًا مُؤَكِّدًا موضوع النفي وأمره.

أمَّا قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ} ؛ فنفيٌ للقسم، وما يتبع (لا) النافية فعل القسم لا المُقْسَم به، ولذا لا يجوز قياس هذا على ذاك، وصيغة (لا أُقْسِمُ) لم تَرِدْ إلا في القرآن الكريم ممَّا يدلُّ على أنَّها صيغةٌ خاصَّة.

أمَّا قياس قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ} على قولنا: (لا والله لا أَفْعَلُ ذاك) ، والحكم على وفق هذا القياس إنَّ مثل قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ} كثيرٌ في الكلام، فمردودٌ للخطأ في القياس, لأنَّ (لا) في قولنا: (لا والله لا أَفْعَلُ ذاك) ردُّ لكلامٍ قيل مباشرةً قبل (لا) كأنْ يقول لنا أحدهم (أراك تَفْعَلُ المُنْكَر) ، فيقول (لا) لنفي فعله المنكر، ثُمَّ يُقْسِمُ مُؤَكِّدًا جوابه (والله لا أَفْعَلُ ذَاكَ) . وقد تكون (لا) ردًا لما يلمسه الإنسان من ظنونٍ أو انطباعاتٍ في عيون الناس ووجوههم، كأنْ يكون أناسٌ مجتمعين في جلسةٍ ويتساءلون عن سبب أمرٍ ما واتَّجهت الأنظار الى أحد

(1) معاني القرآن (3/ 207) ، وينظر تفسير الطبري (27/ 303) ، الأزهية (163) ، تفسير البغوي (4/ 289) ، مجمع البيان (5/ 393 - 394) ، زاد المسير (8/ 150) ، الخازن (4/ 241) ، تفسير الثعالبي (4/ 256) ، تفسير أبي السعود (8/ 199 - 200) ، روح المعاني (27/ 152 - 153) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت