فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 258

الجالسين، فلابدَّ أنْ يكون جوابه مُسْرِعًا (لا والله لست أنا) نافيًا ما دلََّّ عليه تَحَوُّل أنظارهم إليه .. أمَّا (لا) في صيغة (لا أُقْسِمُ) ؛ فنفيٌ لفعل القسم، وإنْ كان المعنى أنْ تكون (لا) في هذه الصيغة نفيًا لما في أذهان الكفَّار ممَّا يُخَالِفُ المُقْسَم عليه أمرٌ له ما يعزِّزه, ولا سيَّما عندما يكون المنفي واضحًا وحاضرًا في أذهان السامعين للآية. إلا أنَّه أمرٌ مرفوضٌ مدفوعٌ في صيغة (لا أُقْسِمُ) لأمرين:

أحدهما: مشكلة فصل الفعل (أُقْسِمُ) عمَّا سبقه من مُلازِمَةٍ، وهي (لا) النافية، فالمعنى إذا كان على أنَّ (لا) ردٌ على المكذبين، ومن ثَمَّ اسْتَأْنَفَ القسم، فلابدَّ من وقفٍ بعد (لا) ، وهذا ما لا نجده في رسم المصحف, فلا توجد أيَّة إشارةٍ إلى وقفٍ لازمٍ أو واجبٍ أو جائزٍ تفيد الفصل بين (لا) و (أُقْسِمُ) ، فضلا عن أنَّني رجعت إلى كتب القراءات، مُتَوَاترها وشَاذِّها [1] فلم أجد إشارةً إلى الفصل بين (لا) و (أُقْسِمُ) وكلُّ ما عثرت عليه في كتب القراءات قراءة شاذَّة تشير إلى زيادة الالْتِحَام والالْتِصَاق بين (لا) و (أُقْسِمُ) حتَّى تُصْبِحا (لأُقْسِمُ) وسأتكلَّم على هذه القراءة بشكلٍ مُنْفَرِدٍ في موضعها، إنْ شاء الله.

ولإظهار أهميَّة الوقف في معرفة دلالة الألفاظ وتجلية المعاني أذكر قول الزركشيِّ في الوقف والابْتِدَاء: (( وهو فنٌّ جليلٌ وبه يُعرف كيف أداء القرآن ويترتَّب على ذلك فوائد كثيرة واسْتِنْبَاطات غزيرة، وبه تُبَيَّن معاني الآيات ويؤمن الاحْتِراز عن الوقوع في المشكلات ... وقد جاء عن ابْن عمر أنَّهم كانوا يتعلَّمون ما ينبغي أنْ يُوقف عنده كما يتعلَّمون القرآن. وقد جاء عن ابْن عبَّاس {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمْ الشَّيْطَانَ} [2] قال فانْقَطَع الكلام واسْتَأْنس له ابْن النحَّاس بقول الرسول، صلَّى الله وسلَّم، للخطيب(بئس الخطيب أنت) حين قال (من يُطِعِ الله ورسوله فقد رشد ومن يَعْصِهِمَا) ووَقَفَ، قال قد كان ينبغي أنْ يصل كلامه فيقول (ومَنْ يَعْصِهِمَا فقد غوى) أو يَقِف على (ورسوله فَقَدْ رشد) فإذا كان مثل هذا مكروهًا في الخطب ففي كلام الله أشدّ ... )) [3] .

وممَّا يرتبط بمعنى الوقف على (لا) في صيغة (لا أُقْسِمُ) أو معنى الوصل فيها, موضوع التنغيم أو موسيقى الكلام, فموسيقى الكلام تختلف عند النطق بـ (لا) على أنَّها ردٌّ على المكذبين، وما بعدها قسمٌ مُسْتَأْنفٌ، إذ يتطلَّب الأمر منَّا سَكْتَةً لطيفةً بعد النطق بـ (لا) ثُمَّ إظهار قوَّة الصوت عند اسْتِئْنَاف الكلام بالقسم لبيان الجزم لإيراد القسم مثبتًا.

(1) ينظر كتاب السبعة في القراءات (624) ، النشر في القراءات العشر (2/ 282) ، إتحاف فضلاء البشر في قراءات القراء الأربعة عشر (531) ، وغيرها.

(2) النساء: 83

(3) البرهان في علوم القرآن (1/ 342 - 343)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت