وفي موضع نفي القسم في سورة الحاقَّة اخْتِلافٌ يَسِيْرٌ في التسلسل بوجود التقديم والتأخير، فنجد النفي والغضب في نفي القسم, وتفخيم البضاعة في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [1] وفي قوله تعالى: {تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [2] ، ثم تقريع وتوبيخ للمكذِّبين في قوله تعالى: {وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ*وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [3] ، وقوله: {وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ} [4] ، فوعيد وتذكير {وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ} [5] ، أمَّا الوصف الحاسم للنهاية، فقد أتى قبل نفي القسم، ولعلَّ سبب ذلك أنَّ وصف النهاية في هذه السورة أتى مُسْهَبًا مفصلا بل مصورًا مهيبًا [6] .
وفي موقع نفي القسم في سورة التكوير نجد أيضًا النفي في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ*الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [7] ، وتفخيم البضاعة في قوله تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ*ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ*مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [8] ، وأسلوب التفخيم والتعظيم هنا أتى بتعظيم من حمل السلعة فأنزل الوحي على النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو الروح جبريل [9] ، كبير الملائكة، المطاع المكين عند ذي العرش، والتقريع والتوبيخ للمكذِّبين أتى في قوله تعالى: وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ*وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ*وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ*وَمَا هُوَ
بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ [10] ، ثم وعيد وتذكير {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [11] ، وأتى وصف النهاية في بداية السورة وبشكلٍ مغايرٍ مميَّزٍ، إذْ وصف البداية المَرُوعة للنهاية الحتميَّة، وذكر مشاهدها المتتالية المخيفة في يوم الفزع الأكبر [12]
(1) الآية: 40
(2) الآية: 43
(3) الآية: 41 - 42
(4) الآية: 49
(5) الآية: 50
(6) ينظر الآيات: 19 - 37
(7) الآية: 15 - 16
(8) الآيات: 19 - 21
(9) ينظر تفسير الطبري (30/ 79)
(10) الآيات: 22 - 25
(11) الآية: 26
(12) ينظر الآيات: 1 - 14