فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 258

ويحتمل موضع نفي القسم هنا عدَّة أغراض من أغراض استعمال الصيغه إلا أنَّني سأجلِّي هنا غرض نفي القسم في عدم الحطِّ من شأن ما نُفِيَ القسم من أجله.

فعدم قسم الله، جلَّ شأنه، ولو بمواقع النجوم، والقسم بها (لو أَقْسَمَ وكانوا يعلمون، قَسَمٌ عظيمٌ) , لأنَّ الأمر الوارد ذكره في الآيات الكريمة لا يحتاج إلى قسمٍ لإثبات علوِّ شأنه وعظم مكانته وإيضاحه على نحو ما ذكرنا آنفًا، والأمر هو {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ*لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} إنَّه القرآن الكريم المصون في كتاب مكنون (( أي محفوظٌ عند الله سبحانه, وإنَّه لمقامه العظيم لا يدنو منه ولا يطوف بحماه إلا المطهَّرون من عباد الله ... وفي وصف القرآن بالكرم إشارةٌ إلى ما ينال الذين يمدُّون أيديهم إليه من عطايا ومِنَن ) ) [1] . ولا يرتقي إلى مستواه فيمسُّه إلا من ارْتَقى إلى مستوى الملائكة المطهَّرين، ويكفي القرآن رفعة أنَّه مُنَزَّل من ربِّ العالمين، الذي وردت في الآيات قبل نفي القسم، الأدلَّة والبراهين على وجوده وضعف الإنسان أمام قدرته العظيمة.

وبعد هذه الآيات يأتي التقريع والتوبيخ، لأنَّهم زهدوا في السلعة الغالية الكريمة، وفرَّطوا فيها بكلِّ سهولة {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} [2] وجعلوا ثمن تفريطهم وتكذيبهم عرض رزق زائل {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [3] . ويأتي الوعيد والتذكير والتلويح بالموت والنهاية ثم العذاب {فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ*وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ*وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ} [4] ثم وصف مستقرِّ النهاية باتِّجاهين، وفي أحدهما رتبتان: {فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ*فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ*وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ*فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ} [5] {وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ*فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ*وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ} [6]

إنَّه سياقٌ قرآنيٌّ عجيبٌ مُعْجِزٌ في المعاني والإيقاع، يُشْبِه ما كان في سورة (عبس) ، ويتَّجه في نفي القسم بالتسلسل نفسه إلى الغرض نفسه: نفيٌ وزجرٌ وغضبٌ، ثمَّ تفخيمٌ للبضاعة، ثمَّ تقريعٌ وتوبيخٌ، فوعيدٌ وتذكيرٌ، فوصفٌ حاسمٌ للنهاية.

(1) التفسير القرآني للقرآن (7/ 736)

(2) الآية: 81

(3) الآية: 82

(4) الآية: 83 - 85

(5) الآية: 88 - 91

(6) الآية: 92 - 94

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت