فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 258

وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [1] ، وممَّا يدلِّل على وضوح عظمة آيات الله في القرآن الكريم وإعجازها في عقول المشركين، قول أبي عبد شمس للمشركين الذين أرادوا أنْ يُجْمِعُوا القول في محمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، ليبثُّوه في وفود الأعراب التي ستقدم مكَّة: (( والله إنَّ لقوله لحلاوة، وإنَّ أصله لعذقٌ، وإنَّ فرعه لجناه، وما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا عُرِفَ أنَّه باطلٌ ) ) [2] ، وقول الوليد بن المغيره بعد أنْ سَمِع القرآن: (( والله ما منكم رجل أعرف بالأشعار منِّي ولا أعلم برجزه ولا بقصيده مني, ولا بأشعار الجنِّ منِّي, والله ما يُشْبِه الذي يقول شيئًا من هذا، ووالله إنَّ لقوله الذي يقول حلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنَّه لمُثْمر أعلاه, مُغْدق أسفله, وإنَّه ليعلو ولا يُعْلى, وإنَّه ليَحْطم ما تحته ) ) [3] .

وسأعرض فيما يأتي آيات نفي القسم التي تجلَّى فيها الغرض بكلِّ وضوحٍ, ففي سورة الواقعة يقول، جلَّ جلاله: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ*إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ*لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [4] إذا رجعنا إلى الآيات التي تسبق آيه نفي القسم، نلحظ أنَّها تأكيد قدرة الله البارئ المُطْلقة، فهو الذي خلق الإنسان وكلَّ ما في الكون. ثُمَّ تأتي الأسئلة التي يقف الإنسان أمامها مُسْتَحْضِرًا أصله المَهِيْن وعجزه المُبِين في قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ*أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ ... أَفَرَأَيْتُمْ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ*أَأَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ*نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ*فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ} [5] وفي الآيات تذكير للإنسان ببداية تكوينه من ماءٍ مَهِيْن وإنَّ نهاية الإنسان لإلى الله، تبارك وتعالى. ثُمَّ تُنَبِّه الآيات الكريمة على الأمور التي نعدُّها في حياتنا أشياء طبيعيَّة قد لا تُثِير انْتِباهنا كالزرع والماء والنار، فيدعونا، جلَّ ذكره، إلى التفكُّر والتدبُّر بمُوْجِدِها، وأنَّ الإنسان عاجزٌ تُجاهها لا دور له إلا في اسْتِثْمَارها وتسخيرها.

ثُمَّ يأتي نفي القسم بمواقع النجوم {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ*إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ*لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}

(1) الإسراء: 88

(2) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 174 - 175) ، وينظر السيرة النبوية لابن كثير (1/ 499 - 500)

(3) السيرة النبوية لابن كثير (1/ 498 - 499) ، وينظر سبل الهدى والرشاد (2/ 354)

(4) الآية: 75 - 80

(5) الآية: 58 - 74

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت