فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 258

وقوله تعالى: (بأيدي سفرة) أي أنَّها محمولةٌ في اللوح المحفوظ إلى رُسُل الله بأيدي ملائكةٍ يسفرون بها بين الله سبحانه وتعالى وبين رسله، فهم سفراء الله إلى الرسل. و (البررة) جمع بار وهو التقيُّ النقيُّ المُبَرَّأ من الدنس والرجس )) [1] .

وهذا الوصف العظيم لعظمة القرآن تلا (كلا) , وفي (كلا) نفي وزجر. نفيٌ واضحٌ لا لبس ولا ادِّعاء فيه، لفظ نفيٍ وجوُّ نفيٍ وإيقاع نفي {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ} ... إلى آخر الآيات، لذا, هناك نفيٌ ثُمَّ ذِكْرٌ لكرامة البضاعة المفرَّط فيها وطهارتها {فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ*مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ*بِأَيْدِي سَفَرَةٍ*كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [2] ، ثُمَّ تقريعٌ وتوبيخٌ للإنسان على تكبُّره وتفريطه في سلعة الله وكفره بها {قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ*مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ*مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ} [3] ، ثُمَّ وعيدٌ وتذكيرٌ بالعذاب {كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ... فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ*يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ*وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ... } [4] ، ثُمَّ وصفٌ للنهاية باتِّجاهين السعادة أو الشقاء وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ

مُسْفِرَةٌ [5] ، {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ} [6] . إنَّه تسلسلٌ مُدهشٌ: نفيٌ وزجرٌ وشيءٌ من غضبٍ، ثُمَّ تفخيمٌ للبضاعة، ثُمَّ تقريعٌ وتوبيخٌ، فوعيدٌ وتذكيرٌ، فوصفٌ حاسمٌ للنهاية.

وعلى هذا, فالقرآن الكريم سلعةٌ عزيزةٌ كريمةٌ غاليةٌ لا تُقَدَّر بثمن، ولا يمكن أنْ تُهان بكثرة عرضها، أو تُبْذل وضيعةً بالإلحاح ليقتنع بها من تُعْرض أمامه فيشتريها. وجودة هذه السلعة وارتفاع شأنها وعظم قيمتها أمورٌ بيِّنةٌ واضحةٌ لم يتطلَّب الوصول إليها جهدًا كبيرًا أو تمعُّنًا شديدًا من المتلقِّين، لأنَّهم أصحاب صنعة وحرفة يُتْقِنون البلاغة والفصاحة والشعر، ولذلك لا حاجة للتأكيد بقسمٍ أو بغيره أمام أهل اخْتِصاص، إنَّ هذه البضاعة فريدة ثمينة يعجز عن الإتيان بها بشر وقد تحدَّاهم القرآن في أنْ يأتوا بمثل هذه السلعة، قال تعالى: قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ

(1) التفسير القرآني للقرآن (8/ 1452)

(2) عبس: 13 - 16

(3) عبس: 17 - 19

(4) عبس: 23، 33 - 37

(5) عبس: 38

(6) عبس: 40

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت