فهرس الكتاب
غير أنَّ الآيات في سورة عبس لا تُشِير إلى عظم النعمة والمنَّة فحسب، بل تتَّجه بمعانيها وإيقاعها وتَسَلْسُلها في اتِّجاه آيات نفي القسم في المواضع الثلاثة المُشَار إليها [1] حتَّى إنَّنا لنجد كثيرًا من أغراض نفي القسم وليس (غرضًا واحدًا) مُتَجَلِّيَةً في آيات سورة عبس، بل أكثر من ذلك، إنَّنا نلمس شرحًا وإيضاحًا في هذه الآيات لآيات نفي القسم وتدليلا على أكثر من غرضٍ فيها.
وإذا تتبَّعنا ترتيب نزول السُوَرِ في القرآن الكريم نجد أنَّ سورة عبس نزلت قبل [2] نزول أيَّةِ سورةٍ من القرآن فيها قسم أو نفي قسم (على القرآن الكريم) وتَضُمُّ هذه السورة آيات تُبَيِّن قيمة القرآن الكريم ومكانته. قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ*فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ*فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ*مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ*بِأَيْدِي سَفَرَةٍ*كِرَامٍ بَرَرَةٍ*قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [3] فقد بيَّن الله تعالى في هذه الآيات (( حقيقة هذه الدعوة وكرامتها وعظمتها ورفعتها واستغناءها عن كلِّ أحدٍ وعن كلِّ سندٍ, وعنايتها فقط بمن يريدها لذاتها كائنًا ما كان وصفه ووزنه في موازين الدنيا ) ) [4] .
والنَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، يُكَرِّر عرض الدعوة على المشركين بأمرٍ من ربِّه ويتخيَّر الموعظة والحكمة التي هي أحسن, فيُصِرُّ المشركون على إعراضهم فيوقف الله، تبارك وتعالى، تكرار العرض والإلحاح لقبول البضاعة وشرائها {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى} [5] ولكنَّ النَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، يستمرُّ في انْدِفاعه مخلصًا مُذَكِّرًا بالرسالة مُكرِّرًا عرض الدعوة على المشركين فترتفع نبرة العتاب الإلهي (( من الله العليِّ الأعلى لنبيِّه الكريم, صاحب الخلق العظيم في أسلوبٍ عنيفٍ شديدٍ، وللمرَّة الوحيدة في القرآن كلِّه يُقَال للرسول الحبيب القريب:(كلا) وهي كلمة ردعٍ وزجرٍ في الخطاب، ذلك أنَّه الأمر العظيم الذي يقوم عليه هذا الدين )) [6] فلا يمكن أنْ تُهَانَ البضاعة أو تُبْذل فيكفي أنْ تُعْرض بوضوحٍ وأنْ تصل خواصُّها لبصيرة المتلقِّي لأنَّ (( هذه التذكرة، وهي آيات الله، هي في صحفٍ مكرَّمةٍ عند الله، وهي صحفٌ مطهَّرةٌ في مقامٍ عالٍ لا يرقى إليها فيه دنسٌ ... قوله تعالى:(مرفوعة) أي عالية (القدر) , (مطهَّرة) من كلِّ نقصٍ أو عيبٍ.
(1) ينظر الواقعة: 75 - 80، الحاقة: 38 - 43، التكوير: 15 - 21
(2) ينظر البرهان في علوم القرآن (1/ 193 - 194)
(3) عبس: 11 - 17
(4) في ظلال القرآن (30/ 43)
(5) الأعلى: 9
(6) في ظلال القرآن (30/ 42)