نفي القسم (لا أُقْسِمُ) ضمن سياقها في الآيات من أبلغ الصيغ وأجملها، جمال إجمالٍ, وجمال بلاغةٍ، وتجلَّى ذلك في مواضع نفي القسم في سورة (الواقعة والحاقَّة والمعارج والقيامة والتكوير والانشقاق) ومؤدَّى هذه الصيغة في هذا الغرض أنَّ الله تبارك وتعالى لا يُقْسِمُ ولن يُقْسِمَ بعد أنْ أَقْسَمَ لمن كذَّب وأصرَّ في تكذيبه وعناده، فلا نفع من تكرار القسم للفت انْتِباهه، ولا طائل من أسلوب الإلحاح والتوكيد أمام مكذِّبٍ مُدْبرٍ. فما فائدة أنْ تُؤَكِّد الخبر والحقيقة أمام مكذِّبٍ أصمٍّ، كذَّب ثم أعطى ظهره. فكيف يسمع الخطاب أو يلمح الإشارة لو تابعت معه الخطاب واجْتَهدت في تأكيده {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [1]
ومن الصيغ والمعاني الأخرى التي أوردها القرآن في غير صيغة نفي القسم التي تُؤَكِّد هذا المعنى وتُجَلِّيه نهجًا دعويًا، لا تستمرُّ فيه التذكرة، ولا تُكَرَّر مع من أَنْكَر، كثيرٌ من الآيات الكريمة التي أمر الله تعالى فيها نبيَّه، صلَّى الله عليه وسلَّم، بأنْ يُعْرِض عن الجاهلين والمشركين [2] بعد تكذيبهم وصدودهم، نحو قوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ} [3] ، وقوله: {وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ*قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ*فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ} [4] (( والفتح هو الفصل فيما بين الفريقين من خلاف, وتحقيق الوعيد الذي كان يخدعهم أنَّه لا يجيئهم من قريب ... {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ} وفي طيَّاته تهديدٌ خَفِيٌّ بعاقبة الانْتِظار بعد أنْ ينفض الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، يده من أمرهم ويدعهم لمصيرهم. ) ) [5] ، وقوله تعالى: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا*ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ} [6] (( يقول جلَّ ثناؤه لنبيِّه محمَّد، صلَّى الله عليه وسلَّم، فدع من أدبر يا محمَّد عن ذكر الله ولم يؤمن به فيوحِّده، وقوله: {وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} يقول ولم يطلب ما عند الله في الدار الآخرة
(1) النمل: 80
(2) ينظر تفسير الطبري (9/ 156)
(3) الحجر: 94
(4) السجدة: 28 - 30
(5) في ظلال القرآن (21/ 111)
(6) النجم: 29 - 30