فهرس الكتاب

الصفحة 204 من 258

هذه اللمسة الخفيفة العميقة في الوقت ذاته, فيمسح بها كبرياءهم مسحًا وينكِّس بها خيلاءهم تنكسًا دون لفظةٍ واحدةٍ نابية أو تعبيرٍ واحدٍ جارح. بينما هذه الأشياء العابرة تصوِّر الهوان والزهادة والرخص أكمل تصوير )) [1] .

فهل يستحقُّ هؤلاء بعد هذا الزجر والتحقير أنْ يُقْسِم الله لهم لإثبات قدرته في الوقت الذي يصف كَذِبهم وصدَّهم وإنكارهم؟ لقد كان الجواب نفيًا زاجرًا غاضبًا بصيغة نفي القسم {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ*عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} ولو كان المعنى، كما قيل في عددٍ من التفاسير [2] ، قسمًا فإنَّنا سنفهم من القسم إعطاء قيمة للمُقْسَمِ لهم والاهْتِمام بأمرهم, لأنَّ القسم يُعْطِي اعْتِبَارًا للمُقْسَمِ لهم, ولكن الآيات السابقة لا تدلُّ على ذلك، وسياقها على عكس هذا الأمر كما أوضحت.

وممَّا يُؤَكِّد عدم الاهْتِمام بأمر الكفَّار، لأنَّهم أصرُّوا على الإنكار والاسْتِكْبار، قوله تعالى: {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [3] والآية الكريمة توجيهٌ من الله تعالى، بتركهم في لهوهم ولعبهم وإنكارهم حتَّى يلاقوا جزاءهم. فإنْ كان في الآية معنى القسم لما أعطى الله، عزَّ وجلَّ، الأمر بتركهم فيما هم مُنْغَمِسُون فيه، فهم قد وصلوا إلى حدٍّ من الكفر والإنكار والصدِّ والإعراض لا ينفع معه إلا أنْ يُهْمَلوا بعد أنْ يُبَلَّغوا بالوعيد بحساب يوم القيامة فيلاقوا جزاءهم الذي يستحقُّون. ويصف حالهم، جلَّ جلاله، في يوم الحساب وهم {خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ} [4]

أمَّا في قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ*إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ*فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ*لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ*تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ*أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ*وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [5] فإنَّ الله، جلَّ جلاله، لن يُقْسِمَ بمواقع النجوم وإنْ كان القسم بها عظيمًا، لأنَّ المشركين قد كذَّبوا وكفروا وكثُر صدّهم وغيّهم وإنكارهم، فأَعْرَض الله عنهم بنفي القسم في وجوههم (أمامهم) .

وتُؤَكِّد الآيات التالية لنفي القسم في سورة الواقعة هذا الغرض فيها، قال تعالى: {أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ} (((أَفَبِهَذَا الحَدِيْثِ) يعنى القرآن (أَنْتُمْ

(1) في ظلال القرآن (29/ 113)

(2) ينظر تفسير البغوي (4/ 396) ، تفسير القرطبي (18/ 295) ، تفسير أبي السعود (9/ 35)

(3) المعارج: 42

(4) المعارج: 44

(5) الواقعة: 75 - 82

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت