فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 258

جهةٍ ومن جهةٍ أخرى, فإنَّك وقفت موقفًا مُخَالفًا لموقفك الأوَّل، فبينما أنت تُقْبِل على من أعرض عنك وزهد فيما معك إذا أنت تُعْرِض عمَّن أقبل عليك ورغب فيما بين يديك من نور الله )) [1] .

ومن أغراض صيغة نفي القسم (لا أُقْسِمُ) الإعراض عن المشركين وإهمال شأنهم كما ذكرت، وفي سورة المعارج اجْتَمَعت صيغة نفي القسم مع التصريح بالأمر بترك المكذِّبين الضالِّين في خوضهم ولعبهم حتَّى يُلاقوا يومهم الموعود، قال تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ*عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ*فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ} [2]

ويتأكَّد هذا الغرض إذا عدنا إلى الآيات الكريمة التي تسبق قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ} لنجد فيها وصفًا لتدنِّي مستوى المشركين المكذِّبين، وانْحِطاط حالهم. ففي قوله تعالى: {فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ*عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ} [3] تعجب من حال المشركين، وهم مادُّون أعناقهم ينطلقون جماعات في كلِّ اتِّجاه كما تنطلق الماشية في المرعى، فمعنى (((مُهْطِعِيْن) مُسْرِعين نحوك مادِّي أعناقهم إليك مُقْبِلين بأبصارهم عليك (عِزِيْن) فرقًا شتَّى جمع عِزَة. )) [4] (( وفي التعبير تهكُّمٌ خفيٌّ بحركتهم المريبة وتصوير لهذه الحركة وللهيئة التي تتمُّ بها وتعجُّبٌ منهم وتساؤل عن هذا الحال منهم! وهم لا يسرعون الخطا اتِّجاه الرسول ليسمعوا ويهتدوا، ولكنْ فقط ليَسْتَطْلِعُوا في دهشةٍ ويتفرَّقوا كي يتحلَّقوا حلقات يتناجون في الكيد والردِّ على ما يسمعون ) ) [5] .

فمنهم منكرون ضالُّون، ولذلك يستنكر الله تعالى عليهم بعد إنكارهم وكفرهم أنْ يطمعوا بدخول الجنَّة في قوله تعالى: {أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ} [6] ويجيء الردُّ القاسي من الله، جلَّ جلاله، بالردع والزجر لغرورهم وطمعهم، ثُمَّ تحقير لهم بتذكيرهم مِمَّ خُلِقُوا {كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ} [7] أي (( وهم يعلمون مِمَّ خُلِقُوا من ذلك الماء المَهِيْن الذي يعرفون, والتعبير القرآني المُبْدِع يلمسهم

(1) التفسير القرآني للقرآن (8/ 1450)

(2) المعارج: 40 - 42

(3) المعارج: 36 - 37

(4) الكشاف (4/ 160)

(5) في ظلال القرآن (29/ 112 - 113)

(6) المعارج: 38

(7) المعارج: 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت