(أيحسب) اسْتِفهام تقرير وتوبيخ حيث يُنكر قدرة الله تعالى على إعادة الإنسان وجمع أجزائه المتفرقة )) [1] . ... وقوله تعالى: {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ*يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [2] (( أي يسأل سؤال مستنعت مستبعد لقيام الساعة, في قوله: {أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} ... {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} ومعناه أنَّ الإنسان الذي يميل طبعه إلى الاسْتِرسال في الشهوات والاسْتِكثار من اللذات لا يكاد يقرُّ بالحشر والنشر وبعث الأموات لئلا تنتقض عليه اللذَّات الجسمانيَّة، فيكون أبدًا منكرًا لذلك قائلا على سبيل الهزء والسخرية أيَّان يوم القيامة ) ) [3] . فهو مكذِّب مكابر.
وفي قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ*الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [4] نفي للقسم من الله، جلَّ جلاله، لأجل إثبات أنَّ القرآن قول رسول كريم ونفي قولهم عن الرسول، صلَّى الله عليه وسلَّم، إنَّه مجنون وإنَّ شيطانًا يتنزَّل عليه بما يقول. والآيات الكريمة بعد نفي القسم تفضح تكذيب المشركين وتعدِّد طرق إنكارهم وصدِّهم عن الحقَِّ والتولِّي عنه في قوله تعالى: {وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ*وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ*وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ*وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ*فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} [5] (( لقد قالوا عن النَّبي الكريم الذي يعرفونه حقَّ المعرفة ويعرفون رجاحة عقله وصدقه وأمانته وتثبته قالوا عنه إنَّه مجنون وإنَّ شيطانًا يتنزَّل عليه بما يقول. قال بعضهم هذا، كيدًا له ولدعوته كما وردت بذلك الأخبار. وقاله بعضهم عجبًا ودهشةً من هذا القول الذي لا يقوله البشر فيما يألفون ويعهدون ) ) [6] . ثم يسألهم، جلَّ جلاله، مستنكرًا {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} (( أين تذهبون في حكمكم وقولكم؟ أو أين تذهبون منصرمين عن الحقِّ وهو يواجهكم أينما ذهبتم ) ) [7] .
وفي قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} [8] يُظْهر لنا بجلاء أنَّ نفي القسم من الله، جلَّ جلاله، للمشركين لإصرارهم على كفرهم وتمسُّكهم بإنكار الحقِّ وتكذبيه، فبعد أنْ أعطى، جلَّ جلاله، الكثير من الأدلَّة والبراهين التي تُثْبت وجوده وقدرته وكماله وكلَّ صفاته، جلَّ جلاله، بما يُؤَكِّد لكلِّ صاحب عقل أنَّه، عزَّ
(1) البحر المحيط (8/ 384 - 385)
(2) القيامة: 5 - 6
(3) تفسير الرازي (30/ 218 - 219)
(4) التكوير: 15
(5) التكوير: 22 - 26
(6) في ظلال القرآن (30/ 68)
(7) في ظلال القرآن (30/ 68)
(8) الانشقاق: 16