فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 258

ويكون معنى الآيات الكريمة في سورة القيامة بما له صلة بهذا الغرض أنَّ الله تبارك وتعالى لا يُقْسِمُ بمُغَيَّبٍ ليُثْبِتَ مُغَيَّبًا فهو أرحم وأعدل، وهو يلفت، حين يلفت، لآياتٍ ظاهرةٍ، ويُشِيْرُ في كتابه العزيز إلى ما هو أمام بصر الإنسان وبصيرته من آيات خلقه ليهتدي الإنسان بِيُسْرٍ ووضوحٍ، ومثل ذلك في كلام الله، تبارك وتعالى، كثيرٌ في غير القسم، ومنه قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ*وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ*وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ*وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ} [1] فقد لفت، جلَّ جلاله، أنظار الناس في البداية إلى ما هو قريبٌ منهم من حولهم وأمام أنظارهم.

ولا يُقْسِمُ الجليل بنفسٍ ذميمة الصفات لوَّامةٍ تبحث عن معاذير (أيّ معاذير) لتُكَذِّبَ بيوم القيامة، وقد يكون من معاذيرها أنَّ الأمر كان صعبًا عليها ليُفْهَمَ، فقد أُرْشِدَتْ بمُغَيَّبٍ إلى مُغَيَّبٍ، أو قد تقول إنَّها قد دُلِّلَ لها وأُشِيْرَ بما لا تُدْرِكُ ولا تُبْصِرُ والله، جلَّ شأنه، لا يريد أنْ يكون للناس عليه حُجَّةٌ، قال تعالى: {لِئلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [2] .

أمَّا القسم الصريح الوحيد الذي ورد بيوم القيامة، ففي سورة البروح، قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ*وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ*وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ} [3] . فقد أتى القسم في هذه الآيات الكريمة مخاطبًا المؤمنين الذين يُصَدِّقُون بالآخرة وبيوم القيامة وبما وعد الرحمن فيه، فكان المُقْسَمُ به مدركًا مُصَدَّقًا من المؤمنين، وقد بُدِئ بمرئيٍّ مُدْرَكٍ (السماء ذات البروج) .

وكان القسمُ في الآيات مُؤَكِّدًا مُطَمْئِنًا مُثَبِّتًا للمؤمنين الذين يتعرضون للأذى الشديد من قريش. وركَّز القسم بـ (اليوم) على صفة (الموعود) وعَرَضَ للمؤمنين المُسْتَضْعَفِين بعدها (الوعود) المرتبطة بذلك اليوم فأكَّدَها وفَصَّل فيها: فذكر للمؤمنين أمر الجبَّار وقراره الحاسم في أصحاب الأخدود وأمثالهم ليخفِّف ما في صدورهم من غضب {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ} [4] .

(1) الغاشية: 17 - 20

(2) النساء: 165

(3) الآية: 1 - 3

(4) البروج: 4

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت