فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا [1] ، وقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا} [2] ، وقوله تعالى {فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ} [3] .
وإذا تأمَّلنا صفة (اللوَّامة) في النفس البشرية وتساءلنا: هل هي من الصفات الحسنة أو السيِّئة؟ نجد أنَّها من الصفات السيِّئة، لأنَّ اللَّوم أمرٌ مُسْتَكْرَهٌ عند الناس، ويجب علينا أنْ نفصل بين اللوم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنَّ اللائم لغيره أو لنفسه يقوم باللوم بعد أنْ يقع المحظور أو بعد أنْ يقوم الإنسان بعمل الشرِّ، أو بعد أنْ يفوته ما فاته من عمل الخير. أي أنَّ اللوم يحصل بعد الخسارة، وكأنَّه حالة تحسرٍ على ما ضاع وفُقِدَ، ونحن لا نجد في اللوم فسحةً للنفس الخاطئة أو العاصية حتَّى تستريح، بقدر ما نجد فيه من القنوط واليأس، والله تعالى يحذِّر من ذلك ويَنْهَى عنه {قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [4] .
وقد يقع الإنسان في الخطأ أو المعصية أو أيِّ أمرٍ آخر سيِّئ ولا يُحَاسِبُ نفسه أو يوبِّخها حتَّى لا يعيد الكرَّة بل ينزع في كثيرٍ من الأحيان إلى لوم الظروف التي مرَّ بها أو أحاطت به، ويلوم مَنْ حَوْلَه و يلوم الشيطان ويلوم كلَّ شيءٍ وأيَّ شيءٍ ولكنَّه ينسى أنْ يلوم نفسه، وإنْ لامها فبعد فوات الأوان وكون ما كان، مع أنَّ اللَّوم في تلك اللحظة لا يجب وإنَّما يجب اللجوء إلى الله وطلب المغفرة والعمل على إصلاح الأمر، ولم يوجِّه الله، تبارك وتعالى، العاصين والمسرفين على أنفسهم ليلوموا أنفسهم وإنَّما وجَّههم للاسْتِغْفَار والإصلاح، قال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا} [5] . وقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [6] ، ولو كان معنى اللوم محمودًا بمعنى الندم والتوبة، لأمر الله به بلفظٍ صريحٍ مباشرٍ، وعلى العكس من ذلك ذكر الله، جلَّ جلاله، في كتابه العزيز حقيقة أنَّ الإنسان أكثر ما يتوجَّه باللوم إلى غيره، قال تعالى: وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ
(1) الإسراء:29
(2) الإسراء: 39
(3) الصافات: 142، ينظر الذاريات: 51، 54، المؤمنون: 6، المائدة: 54
(4) الزمر: 53
(5) هود: 3
(6) آل عمران: 89