فهرس الكتاب
الكثير المتكرِّر الذي دلَّت عليه الآية الكريمة {وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [1] يعني الوقوع الكثير والمتكرِّر في الأخطاء، وإلا على ماذا يلوم الإنسان نفسه إذا لم يُخْطِئ، ودوام اللوم وتكراره من النفس لذاتها يدلُّ على دوام فعل المعاصي والاسْتِمْرار في الأخطاء، وأوَّل شروط التوبة أنْ يُقْلِعَ الإنسان عن المعصية والخطأ.
فصفة اللوم على هذا، ذميمةٌ للنفس البشرية، وهي جزء من فجور النفس وليس من تقواها {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [2] وامْتِنَاع الجليل عن القسم بها وهي على هذه الصفة ذمٌ لها كبيرٌ واحْتِقَارٌ لها عظيمٌ.
وقد أكَّد السياق القرآنيُّ العظيم في الآيات الكريمة التي تلت نفي القسم بـ (النفس اللوَّامة) هذا المعنى، وبإشاراتٍ واضحةٍ تذمُّ صفة النفس هذه وتُفَصِّلُ فيها، بل ها هي الآيات الكريمة وبعد آيتين من نفي القسم تُصَرِّحُ بأنَّ هذه الصفة هي في جانب الفجور {بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [3] .
والآيات، بعد ذكر النفس اللوَّامة مباشرةً، فيها تقريعٌ وإنكارٌ على الإنسان وهو في صفته هذه {أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ*بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ} [4] . هذا هو حال الإنسان قبل الواقعة، إنَّه يُنْكِر البعث ويكذِّب بفجورٍ ما هو قريب أمامه و {يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ} [5] ، ويصف لنا القرآن العظيم موقف الإنسان بعد الواقعة، أي بعد الخسارة والوقوع {يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ*كَلَّا لَا وَزَرَ*إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ} [6] وكلُّ شيءٍ يومئذٍ مكشوفٌ معروفٌ لا ينفع فيه إلقاء اللوم على أحدٍ {يُنَبَّؤُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [7] . والإنسان مع أعضائه كلِّها على نفسه شاهدٌ {بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ*وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [8] .
ولقد أوصلنا السياق القرآني، مرَّةً أخرى، إلى الصفة الذميمة التي تضخَّمَت وهيمنت على نفس هذا الإنسان {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [9] إنَّه يُلْقِي الأعذار وهي ليست إلا
(1) القيامة: 2
(2) الشمس: 8
(3) القيامة: 5
(4) القيامة: 3 - 4
(5) القيامة: 6
(6) القيامة: 10 - 12
(7) القيامة: 13
(8) القيامة: 14 - 15
(9) القيامة: 15