فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 258

فالله، سبحانه وتعالى، أَقْسَمَ في كتابه العزيز بما هو محسوس ومدرك (( لا مجال للمماراة فيه، توطئةً للإقناع بما هو موضع جدلٍ وارتيابٍ من المعنويات والمغيبات غير المدركة بالحسِّ ) ) [1] .

وفي مقابل القَسَمِ الصريح في القرآن الكريم الذي يكون المُقْسَمُ به ظاهرًا للمخاطب مدركًا محسوسًا فيه لتَتِمَّ الغاية من القسم ويصل المعنى واضحًا إلى ذهن المخاطب، نجد في آيات نفي القسم [2] ، أي ما نفى الله، جلَّ شأنه، القسم به بصيغة (لا أقسم) لأنَّه مُغَيَّبٌ غير مدركٍ من المخاطب، وسنفصِّل هذا الأمر ونشرح مواضعه في القرآن الكريم في فصل (أغراض نفي القسم) ، ولذا حرصت في هذا المبحث على إثبات أنَّ المُقْسَمَ به، من الله، جلَّ شأنه، في القسم الصريح، ظاهرٌ للمخاطب مدركٌ محسوسٌ منه، وتأكيد هذا الأمر فقط.

2 ـ إنَّ الله، سبحانه وتعالى، عندما يكون المُقْسِمَ وهو الأعلى، فالقَسَمُ أمرٌ مُوَثَّقٌ من جهةٍ عليا تُقْسِم بما هو دونها ومن صُنْعِهَا لِتَرْفَعَه وتُعَظِّمَه، وهذا عكس ما يكون في قسم الناس الذين يُقسمون بما هو أعلى وأعظم منهم ليُوَثِّقُوا أو يرفعوا ما يُقْسِمُون من أجله. ولهذه الخصيصة واستحضارها أهميَّة ذات صلةٍ بنفي القسم وأغراضه، ستكون جليَّة في موضعها إنْ شاء الله.

3 ـ قال الزركشي: (( أكثر الأقسام المحذوفة الفعل في القرآن لا تكون إلا بالواو فإذا ذُكرت الباء أُتى بالفعل كقوله تعالى: {وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ} [3] ، {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ} [4] ) [5] .

وأهمُّ ما يُلحظ في هذه الخصيصة أنَّ الله، سبحانه وتعالى، ليس هو المُقْسِم، ولم يرد فعل القسم والضمير فيه عائدٌ إلى الله، جلَّ شأنه، في القرآن الكريم، إلا مسبوقا بـ (لا) في صيغة (لا أقسم) في ثمانية مواضع أُشيرَ إليها.

4 ـ ذكر د. كاظم الراوي خصائص القسم في القرآن الكريم في الدورين المكِّيّ والمدنيّ [6] ، فمن خصائصه في الدور المكِّي:

(1) التفسير البياني للقرآن الكريم (2/ 136)

(2) ينظر الواقعة: 75، الحاقة: 38 - 39، المعارج: 40، القيامة: 1 - 2، التكوير: 15، الانشقاق: 16، البلد: 1

(3) الأنعام: 109

(4) التوبه: 74

(5) البرهان في علوم القرآن (3/ 43)

(6) ينظر أساليب القسم في اللغة العربية (382 - 401)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت