عليه وسلَّم، في بعثته إلى وفاته. لقد أَقْسَمَ الجليل للنَّبي، صلَّى الله عليه وسلَّم، بأعظم ما يُدْرِك.
وليس ذلك بِدْعًا في أساليب العربية في لفت المُخَاطب وتقريب الأُمور إلى ذهنه ومَدَارِكِه ليُصَدِّقَ أو يَفْقَه اعتمادًا على المَعْقُول أو المحسوس المُدْرَكِ، ففي أسلوب التشبيه خير مثالٍ على ذلك، فالتشبيه ينقسم، باعتبار المُشَبَّه والمُشَبَّه به، وهما الركنان الأساسيان فيه، على أربعة أقسام:
1 ـ تشبيه المحسوس بالمحسوس.
2 ـ تشبيه المعقول بالمعقول.
3 ـ تشبيه المعقول بالمحسوس.
4 ـ تشبيه المحسوس بالمعقول، ومنعه بعضهم [1] .
وفي كلِّ الأحوال، لابدَّ للمُشَبَّه به أنْ يكون معقولا أو محسوسًا لدى السامع المخاطب، بل يختار صاحب الكلام في الأنواع الأربعة وجه شبه يعتقده حاضرًا أو مثبتًا راسخًا في ذهن السامع المخاطب وإدراكه، ولو قرَّبْنَا في كلامنا الصُوَر والمعاني باستخدام التشبيه وكان المُشَبَّه به مُغَيَّبًا عن ذهن المخاطب وإدراكه، أو لا يؤمن به، ولا يصدِّق أصلا بوجوده، فسيَبْطُل وجه الشبه ويسقط، فإنْ شَبَّهْت لشخصٍ يسأل عن اتساع الصحراء أمامه وقلت له: إنَّ الصحراء كالبحر في اتِّساعها، مع علمنا أنَّه لَمْ يَرَ البحر ولا يعلم عن اتِّساعه شيئا، فليس في ذلك من البلاغة ولا من الدلالة شيء، والبلاغة الدالَّة غاية التشبيه.
قال تعالى: {فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} [2] يُقرِّر، جلَّ جلاله، في الآية الكريمة أنَّ القرآن حقٌّ وأنَّه منزلٌ من عنده، تبارك وتعالى، ويُؤَكِّدُ ذلك بالقَسَمِ ثُمَّ بالتشبيه. فقد كان القَسَمُ في الآية الكريمة (بِرَبِّ السَّمَاءِ وَالأرْضِ) أَيْ صاحبهما وخالقهما وهما تحتويان الإنسان وتحيطان به وبحواسِّه، وأتبع القسم بالتشبيه ليقول للمُكَذِّبِيْن إنَّه لأمْرٌ مُؤَكَّدٌ أنَّ القرآن حقٌ وأنَّه من عندِ الله، كما أنتم أكيدون أنَّكم تنطقون، فقد أعطاهم الحكيم صورةً تخصهم، وتشبيهًا يُدْرِكُونَه وَيُمَارِسُونَه، بل من المُحَالِ أنْ يُشَكِّكُوا فيه، إنَّه نُطْقُهم الذي يُدَوِّي فِي رُؤُوسِهِم.
(1) ينظر مختصر المعاني (188 - 189) ، شروح التلخيص (3/ 311) ، البيان في ضوء أساليب القرآن (41 - 44) ، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها (2/ 172 - 173) .
(2) الذاريات: 23