الكلام وهذا ما يتنزَّه عنه كلام الله. ثم إنَّ الموجود هنا (لا) لا لامَ الابْتِداء، التي تحوَّلت بهذه الصناعة المُتَكَلَّفَة إلى (لأَنَا) ثُمَّ حُذِفَت (أَنَا) ، وبقيت منها الهمزة التي لصقت بلام الابتداء فأعطتها هذه الصورة الزائفة!! وكلام الله تعالى مُنّزَّهٌ عن النقص، مُتَعال عن الوقوع تحت حكم الضرورة وإنَّ كلَّ حرفٍ منه لَيرجح الوجود كله كمالا، وجلالا. )) [1]
وبعد أنْ انْتَهَى (الخطيب) من مُنَاقَشَةِ الآراء وتَفْنِيْدِها بما لا يدع مجالا للشكِّ في الأمر عنده، انْتَقل إلى تقرير الرأي الذي اختاره وإثباته، وهو أنَّ صيغة (لا أُقْسِمُ) هي صيغة نفي للقسم الوارد بعدها إذ قال: (( فما هي(لا) هذه؟ وما مفهومها؟ هي، والله أعلم، (لا) النافية وهي تجيء غالبًا في معرض القسم تنزيهًا للمُقْسَمِ به وإجلالا لِقَدْرِه أنْ يُقْسَمَ به على أمورٍ واضحةٍ بَيِّنَةٍ، لا تحتاج إلى سند يسندها من قسمٍ أو نحوه.
فالقسم عادة إنَّما يَرِدُ لإثبات أمرٍ من الأمور التي يستبعد المُخَاطب وقوعها أو لتقرير حقيقةٍ من الحقائق وتوكيدها وإزالة الشبهة عنها عند المُقْسَمِ له حتَّى يقبلها ويطمئنَّ إليها )) [2] .
ومن المفسِّرين من يُرَجِّح رأيًا من الآراء المذكورة في صيغة (لا أُقْسِمُ) من غير أنْ يذكر سببًا لترجيحه هذا الرأي أو دليلا يدعم ترجيحه، وفي الوقت نفسه يرفض غيره من الآراء بذكر أسبابٍ ضعيفةٍ وغيرٍ مقنعةٍ، كقول أبي السعود في تفسير قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} [3] : (((فلا أُقْسِمُ) أي فَأُقْسِمُ، على أنَّ (لا) مزيدة للتأكيد، وأمَّا حمله على معنى نفي الإقسام لظهور الأمر واسْتغنائه عن التحقيق؛ فيردّه تعيين المُقْسَمِ به بقوله تعالى: {بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لَا تُبْصِرُونَ} كما مرَّ في سورة الواقعة، أي أقسم بالمشاهدات والمغيبات، وقيل بالدنيا والآخرة، وقيل بالأجسام ... )) [4] .
إذا تأملنا كلام أبي السعود هذا نجده قد أطلق الحكم بزيادة (لا) للتأكيد وجعل المعنى أُقْسِمُ ولم يُعْنَ بشرح إشراقات معنى القسم في الآيات أو الاستدلال على صحة اختياره هذا الرأي، ولكنَّه عندما ردَّ معنى نفي القسم اعتلَّ لرأيه بتعيين
(1) التفسير القرآني للقرآن (7/ 732)
(2) التفسير القرآني للقرآن (7/ 732 - 736)
(3) الحاقة: 38 - 39
(4) تفسير أبي السعود (9/ 27)