ويؤكد هذا الحديث الآتي: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعلموا القرآن فاقْرَؤوه وأقْرِؤوه، فإن مثل القرآن لمن تعلمه فقام به كمثل جراب محشو مسكا يفوح ريحه في كل مكان، ومثل من تعلمه فرقد وهو في جوفه كمثل جراب أوكي على مسك)
فدل هذا الحديث على أن من آتاه الله القرآن فرقد ولم يقم به فهو مثل من اشترى طيبا وتركه مغلقا ولم يستخدمه.
ويبين الحديث التالي الهدف من القيام بالقرآن، وسبب هذا الفرق الكبير بين من يقوم به، ومن لا يقوم به
عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإن لم يقم به نسيه) فهذا هو بيت القصيد وهو حجر الزاوية في تدبر القرآن والانتفاع به؛ إنه تذكر آيات القرآن الكريم، وكونها حاضرة في القلب في كل آن، وخاصة في المواقف الصعبة في الحياة، مواقف الشدة والذهول، المواقف التي يفتن فيها المرء ويمتحن ويختبر، فمن كان يقوم به آناء الليل، وآناء النهار فتجد إجابته حاضرة وسريعة وقوية، تجده وقافا عند كتاب الله تعالى، وأما من كان مفرطا في استخدام هذا المفتاح فما أسرع ما يسقط ويهوي، ويدل لهذا المعنى:
قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:153)
فالصبر هو ثمرة العلم، والعلم وسيلته القراءة بتدبر، وهو حاصل لمن قرأ القرآن في صلاة، لذلك قرن الله تعالى بينهما في أكثر من موضع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، ويطيل فيها قراءة القرآن كما في صلاة الكسوف، فمن يتربى على هذا المفتاح وخاصة من الصغر يسهل عليه الانتفاع به في الحياة، أما من لم يترب عليه فإنه تضيق به الحياة في حال الشدة، وتضيع عليه الحياة حال الرخاء.
المفتاح الرابع: أن تكون القراءة في ليل
إن الليل وخاصة وقت السحرمن أفضل الأوقات للتذكر، فالذاكرة تكون في أعلى مستوى بسبب الهدوء والصفاء، وبسبب بركة الوقت حيث النزول الإلهي، وفتح أبواب السماء.
ومما يدل على كون القراءة في ليل أحد مفاتح التدبر:
قال تعالى: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا) (الإسراء:79) ،
و قال تعالى: (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) (المزمل:6)
وقال تعالى: (لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ) (آل عمران:113) ،