وعن ثَابِت بن الضّحّاكِ - رضي الله عنه -، قال: نَذَرَ رَجُلٌ أنْ يَنْحَرَ إبِلاً بِبُوَانَةَ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوْثَانِ الْجَاهِلِيّةِ يُعْبَدُ؟» . قالُوا: لاَ. قالَ: فهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ؟ قالُوا: لاَ. قالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوْفِ بِنَذْرِكَ فَإنّهُ لاَ وَفَاءَ لِنِذْرٍ في مَعْصِيَةِ الله وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ». رواه أبو داوود، وإسناده على شرطهما
[الشرح]
قال الإمام رحمه الله باب (باب لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله) ، وقوله هنا (لا يذبح لله) هذا على جهة النفي المشتمل على النهي؛ لأن من أساليب اللغة العربية أنه يُترك صراحة النهي إلى صريح النفي ليدل بدلالة أبلغ على أن النفي والنهي جميعا مقصودان، فكأنه لا يصح أن يقع أصلا، ولهذا أتى بصيغة النفي (باب لا يذبح لله)
وقال بعض أهل العلم يحتمل أن تكون على وجه النهي (باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله) .
وقوله (لله) ؛ (لا يذبح لله) يعني أنه تكون النسيكة أو أن تكون الذبيحة مراد بها وجه الله جل وعلا، (بمكان يذبح فيه لغير الله) ، قال الإمام (بمكان) والباء هنا لها معنى زائد على كلمة (في) ، وهذا المعنى الزائد أنها أفهمت معنى الظرفية ومعنى المجاورة جميعا؛ لأن الباء تكون للمجاورة أيضا كما تقول: مررت بزيد؛ يعني بمكان قريب من مكان زيد أو مكان مجاور لمكان زيد، والظرفية بـ (في) تفيد أنه في نفس المكان، واستعمال حرف الباء يفيد أنه مجاور لذلك المكان.
وهذان المعنيان جميعا مقصودان وهو أن لا يذبح لله:
· بمجاورة المكان الذي يذبح فيه لغير الله.
· ولا في نفس المكان الذي يذبح فيه لغير الله.
لأن الجميع فيها اشتراك مع الذين يذبحون لغير الله جل وعلا.
قال هنا (باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله) صورة المسألة أنّ مكانا ما يذبح فيه لغير الله، مثلا عند قبر أو عند مشهد أو عند مكان معظّم, المشركون أو الخرافيون اعتادوا أن يكون هذا المكان مما يتقربون فيه بالذبح لهذا الصنم أو الوثن أو القبر أو البقعة ... إلى آخره، فإذا كانوا يتقربون لهذا المكان للقبر أو نحوه، ويذبحون لصاحب هذا القبر يعني من أجله، فإنه لا يحل أن يذبح المسلم الموحّد في هذا المكان، ولو كانت ذبيحته مخلصا فيها لله جل وعلا؛ لأنه يكون قد شابهَ أولئك المشركين في تعظيم الأمكنة التي يتعبدون فيها بأنواع العبادات ويصرفونها لغير الله جل وعلا.
فالذبح لله وحده دونما سواه بإخلاص في المكان الذي يتقرب فيه لغير الله لا يحلّ ولا يجوز؛ بل هو من وسائل الشرك ومما يغري بتعظيم ذلك المكان، وحكمه أنه محرم ووسيلة من وسائل الشرك.
قال الشيخ رحمه الله تعالى ورفع درجاته في الجنة (وقول الله تعالى: لاَ تَقُمْ فِِيهِ أَبَداً) هذا النهي عن القيام في مسجد الضرار الذي بناه المنافقون، (لََمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) مسجد الضرار أُقيم إرصادا ومحادة لله ورسوله وتفريقا بين المؤمنين، فهو مكان أُقيم على الخيانة وعلى مضادة الإسلام وأهله، فلهذا لما كانت هذه غاية من أقامه فإن مشاركتهم فيه بالصلاة لا تجوز؛ لأنه إقرار لهم أو تكثير لسوادهم وإغراء للناس بالصلاة فيه، فنهى الله جل وعلا نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونهى المؤمنين عن أن يصلوا في مسجد الضرار.
مناسبة الآية للباب ظاهرة وهو أن الله جل وعلا نهى عن أن يُصليَ النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد الضرار، ومعلوم أن صلاته عليه الصلاة والسلام وصلاة المؤمنين معه هي خالصة لله جل وعلا دون من سواه، ونُهوا مع أنهم مخلصون ليس عندهم نية الإضرار ولا التفريق ولا الإرصاد؛ لكن نهوا لأجل هذه المشاركة والمشابهة التي تغري بإتيان ذلك المكان.
وهذه هي الصورة الموجودة فيمن ذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله؛ فإنه وإن كان مخلصا لكن دعا إلى تعظيم ذلك المكان بفعله.
هنا إشكال أو إيراد وهو أنه جاء الإذن عن الصحابة بالصلاة في الكنيسة، [1] وقد صلى عمر - رضي الله عنه - في كنيسة بيت المقدس، والصحابة رضوان الله عليهم منهم من صلى ببعض كنائس البلاد، فصلاتهم في الكنائس لله جل وعلا أليست مشابهة للصلاة في مسجد الضرار أو للذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله؟
الجواب: أن هذا الإيراد ليس بوجيه؛ ذلك أن النهي عن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد الضرار وعن الذبح لله في مكان يذبح فيه لغير الله هذا لأجل أن صورة العبادة واحدة, فصورة الذبح من الموحد ومن المشرك واحدة وهي إمرار السكين -آلة الذبح- على الموضع وإزهاق الدم [2] في ذلك المكان، وهذا يحصل من الموحد ومن المشرك غير الموحد، الصورة واحدة، ولهذا لا يميز بين هذا وهذا، كذلك صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لو صلى والصحابة في مسجد الضرار صلاتهم مشابهة من حيث الصورة لصلاة المنافقين رجع الاختلاف إلى اختلاف ما في القلب, والنيات ومقاصد القلوب لا تُشرح للناس ولهذا تقع المفسدة ولا تحصل المصلحة.
وأما الصلاة في الكنيسة فإن صورة الفعل مختلفة؛ لأن صلاة النصارى ليست على هيئة وصورة صلاة المسلمين، فيعلم من رأى المسلم يصلي أنه لا يصلي صلاة النصارى وليس فيه إغراء بصلاة النصارى ومشاركتهم فيها، فهذا الفرق بين المسألتين.
قال (وعن ثَابِت بن الضّحّاكِ - رضي الله عنه -، قال: نَذَرَ رَجُلٌ أنْ يَنْحَرَ إبِلاً بِبُوَانَةَ، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أوْثَانِ الْجَاهِلِيّةِ يُعْبَدُ؟» . قالُوا: لاَ. قالَ: فهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أعْيَادِهِمْ؟ قالُوا: لاَ. قالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أوْفِ بِنَذْرِكَ فَإنّهُ لاَ وَفَاءَ لِنِذْرٍ في مَعْصِيَةِ الله وَلاَ فِيمَا لاَ يَمْلِكُ ابنُ آدَمَ». رواه أبو داوود، وإسناده على شرطهما) هذا الحديث فيه أن رجلا نذر أن ينحر إبلا ببوانة, (بوانة) اسم موضع؛ نذر أن ينحر في هذا الموضع، والنبي عليه الصلاة والسلام استفصله؛ لأن المقام يقتضي الاستفصال، يتبادر للذهن لم خص هذا الرجل بوانة بأن ينحر فيها الإبل؟ لم؟ قد يكون لأن فيها عيدا من أعيادهم
(1) قال ابن عبد البر في التمهيد ج 5 ص 229: وكذلك أحمعوا على أن من صلى في كنيسة أو بيعة في موضع طاهر أن صلاته ماضية جائزة.
(2) الشيخ يريد: إراقة الدم وإزهاق الروح.