فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 260

هاهنا سؤال معروف في هذا المقام: وهو أن النذر مكروه، قد كره النبي - صلى الله عليه وسلم - النذر وسئل عنه فكرهه وقال «إنه لا يأتي بخير» ، فكيف إذن يكون عبادة وقد كرهه عليه الصلاة والسلام؟

والجواب: أن النذر قسمان: نذر مطلق، ونذر مقيد.

والنذر المطلق: هو أن يلزم العبد نفسه بعبادة لله حل وعلا، هكذا بلا قيد؛ يعني يقول مثلا: لله علي نذر أن أصلي ركعتين, ليس في مقابله شيء يحدث في المستقبل أو شيء حدث له، فيُلزم نفسه بعبادة صلاة أو عبادة صيام أو نحو ذلك، فهذا النذر المطلق وهو إلزام العبد نفسه بطاعة لله حل وعلا أو بعبادة ليس هو الذي كرهه عليه الصلاة والسلام؛ لأن الذي كرهه وصفه بقوله «إنما يستخرج به من البخيل» وهذا هو:

النذر المقيد: الذي يجعل إلزام نفسه بطاعة لله جل وعلا مقابَلا بشيء يحدثه الله جل وعلا له ويقدره ويقضيه له، يقول مثلا إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أتصدق بكذا وكذا، إن نجحت فسأصلي ليلة, إن عينت في هذه الوظيفة فسأصوم أسبوعا ونحو ذلك، فهذا كأنه يشترط به على الله جل وعلا، فيقول: يا ربي إن أعطيتني كذا وكذا صمت لك, إن أنجحتني صليت أو تصدقت, إن شفيت مريضي فعلت كذا وكذا، وهذا بالمقابلة، وهذا الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بقوله (إنما يستخرج به من البخيل) لأن البخيل هو الذي لا يعمل العبادة حتى يقاضى عليها، فصار ما أعطاه الله من النعمة أو دفع عنه من النقمة كأنه في حس ذلك الناذر قد أعطي الأجر وأعطي ثمن تلك العبادة.

وهذا يستحضره كثير من العوام و الذين يستعملون النذور فإنهم يظنون أن حاجاتهم لا تحصل إلا بالنذر. وقد قال شيخ الإسلام رحمه الله وغيره من أهل العلم: إن من ظن أنه لا تحصل حاجة من حاجاته إلا بالنذر فإنه في اعتقاد محرم؛ لأنه ظن أن الله لا يعطي إلا بمقابل، وهذا سوء ظن بالله جل وعلا، وسوء اعتقاد فيه سبحانه وتعالى؛ بل هو المتفضل المنعم على خلقه.

فإذن إذا تبين ذلك، فالنذر المطلق لا يدخل في الكراهة، وإذا قلنا النذر عبادة فنظر فيه إلى جهة المطلق وإلى جهة عدم التقييد فيما إذا قيد ووفي بالنذر فإنه يكون قد تعبد الله بتلك العبادة وألزم نفسه بها، فيكون النذر على ذلك نذرا يظهر أنه عبادة لله جل وعلا، والكراهة إنما جاءت لصفة الاعتقاد لا لصفة أصل العبادة، فإنه في النذر المقيد إذا قال إن كان كذا وكذا فلله عليّ كذا وكذا الكراهة راجعة إلى ذلك التقييد لا إلى أصل النذر، دلّ على ذلك التعليل حيث قال «فإنما يستخرجه له من البخيل» إذن فلا إشكال إذن، والنذر عبادة من العبادات العظيمة.

وهنا قاعدة في أنواع الاستدلال على أن عملا من الأعمال صرفه لغير الله جل وعلا شرك أكبر، وذلك أن الاستدلال له نوعان:

(فكل دليل من الكتاب أو السنة فيه إفراد لله بالعبادة يكون دليلا على أن كل عبادة لا تصلح إلا لله، هذا نوع من الأدلة، كل دليل فيه إفراد الله جل وعلا بالعبادة، يصلح أن تستدل به على أن عبادة ما لا يجوز صرفها لغير الله جل وعلا، بأي مقدمة؟ بأن تقول دل الدليل على وجوب صرف العبادة لله وحده وعلى أنه لا يجوز صرف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت