فهرس الكتاب
العبادة لغير الله جل وعلا، وأن من صرفها لغير لله جل وعلا فقد أشرك، وتلك العبادة الخاصة مثلا عندنا هنا النذر تقول هذه عبادة من العبادات، فهي داخلة في ذلك النوع من الأدلة.
(والنوع الثاني من الاستدلال: أن تستدل على المسائل بأدلة خاصة وردت فيها، تستدل على الذبح بأدلة خاصة وردت في الذبح، تستدل على وجوب الاستغاثة بالله وحده دون ما سواه على أدلة خاصة بالاستغاثة, وعلى أدلة خاصة بالاستعاذة ونحو ذلك.
فإذن الأدلة على وجوب إفراد الله بجميع أنواع العبادة تفصيلا وإجمالا وعلى أن صرفها لغير الله شرك أكبر يستقيم بهذين النوعين من الاستدلال.
استدلال عام بكل آية أو حديث فيها أمر بإفراد الله بالعبادة والنهي عن الشرك فتُدخل هذه الصورة فيها لأنها عبادة بجامع تعريف العبادة.
والثاني أن تستدل على المسألة بخصوص ما ورد فيها من الأدلة.
لهذا قال الشيخ رحمه الله هنا (باب الشرك النذر لغير الله) واستدلّ عليها بخصوص أدلة وردت في النذر.
والآيات التي قدّمها في أول الكتاب كقوله جل وعلا {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء:23] ، وكقوله {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، وكقوله {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء:36] ، وكقوله {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [الأنعام: 151] ، هذه أدلة تصلح لأن تستدل بها على أن صرف النذر لغير الله شرك, فتقول: النذر لغير الله عبادة والله جل وعلا نهى أن تصرف العبادة لغيره، وأن من صرف العبادة لغير الله فهوّ مشرك، وتقول: النذر عبادة لأنه كذا وكذا لأنه داخل في حد العبادة حيث إنه يرضاه الله جل وعلا ومدح الموفين به.
الدليل الخاص أن تستدل بخصوص ما جاء في الكتاب والسنة من الأدلة على النذر، ولهذا الشيخ هنا أتى بالدليل التفصيلي وفي أول الكتاب أتى بالأدلة العامة على كل مسائل العبادة.
وهذا من الفقه الدّقيق في التصنيف وفِقْهِ الأدلة الشرعية من أن المستدل على مسائل التوحيد ينبغي له أن يدرك التنويع؛ لأن في تنويع الاستدلال وإيراد الأدلة من جهة ومن جهة أخرى ثالثة ورابعة ما يضعف حجة الخصوم الذين يدعون الناس لعبادة غير الله وللشرك به جل وعلا، وإذا أتيت مرة بدليل عام ومرة بدليل خاص ونوّعت فإنه يضيق، أما إذا ليس ثم دليل واحد فربما أوّلَه لكَ أو ناقشك فيه فيحصل ضعف عند المستدل، أما إذا أنتبه لمقاصد أهل العلم وحفظ الأدلة فإنه يقوى على الخصوم والله جل وعلا وعد عباده بالنصر {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر:59] ، وقد قال الشيخ رحمه الله في كشف الشبهات: والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء المشركين. وهذا صحيح فإن عند العوام الذين علموا مسائل التوحيد وأخذوها عن أهلها عندهم من الحجج ووضوح البينات في ذلك ما ليس عند بعض المتعلمين.