فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 260

إذن فكل فعل من الأفعال أو قول من الأقوال فيه طلب عبادة لم؟ لأنه دعاء لأن كل طلب دعاء.

فالذي يطلب شيئا:

· إذا طلبه مِن مقارن فيقال هذا التماس.

· إذا طلبه ممن هو دونه يقال هذا أمر.

· وإذا طلبه ممن هو أعلى منه فهذا دعاء.

والمستعيذ والمستغيث لاشك أنه طالب ممن هو أعلى منه لحاجته إليه، فلهذا كل دليل فيه ذكر إفراد الله جل وعلا بالدعاء والعبادة دليل على خصوص هذه المسألة وهي أنّ الاستعاذة عبادة من العبادات العظيمة، وإذْ كانت كذلك فإن إفراد الله بها واجب.

قال هنا (من الشرك الاستعاذة بغير الله) ، وقوله (الاستعاذة بغير الله) هذا الغير يشمل كل ما يتوجه الناس إليه بالشرك، ويدخل في ذلك بالأوَّلية ما كان المشركون الجاهليون يتوجهون إليه بذلك من الجن والملائكة ومن الصالحين ومن الأشجار والأحجار ومن الأنبياء والرسل إلى غير ذلك.

هل قوله هنا (باب من الشرك الاستعاذة بغير الله) (الاستعاذة بغير الله) هل هذا المقصود منه: أن الاستعاذة جميعا لا تصلح إلا لله، وأنه لو استعاذ بمخلوق فيما يقدر عليه أنه يدخل في الشرك؟

الجواب: هذا فيه تفصيل.

ومن أهل العلم من قال: الاستعاذة لا تصلح إلا لله، وليس ثَم استعاذة بمخلوق فيما يقدر عليه؛ لأن الاستعاذة توجُّه القلب واعتصامه والتجاؤه ورغبه ورهبه فيها هذه المعاني جميعا، فهي توجُّهٌ للقلب، وهذه المعاني جميعا لا تصلح إلا لله جل وعلا.

وقال آخرون: قد جاءت أدلة بأنه يستعاذ بالمخلوق فيما يقدر عليه لأن حقيقة الاستعاذة طلب انكفاف الشر، طلب العياذ وهو أن يعيذ من شر أحدق به، وإذا كان كذلك فإنه قد يكون المخلوق يملك شيئا من ذلك، قالوا فإذن تكون الاستعاذة بغير الله شركا أكبر إذا كان ذلك المخلوق لا يقدر على أن يعيذ أو لا يقدر على الاعاذة مما طلب إلا الله جل وعلا.

والذي يظهر من ذاك أن المقام -كما ذكرت لك فيه تفصيل-، وذاك أن الاستعاذة فيها عمل ظاهر وعمل باطن:

فالعمل الظاهر أن يطلب أن يطلب العوذ أن يطلب العياذ وهو أن يُعصم من هذا الشر أو ينجو من هذا الشر.

وفيها عمل باطن وهو توجه القلب وسكينته واضطراره وحاجته إلى هذا المستعاذ به واعتصامه بهذا المستعاذ به وتفويض أمر نجاته إليه.

إذا كان هذان في الاستعاذة:

فإذا قيل الاستعاذة لا تصلح إلا لله؛ يعني لا تصلح إلا بالله، لا يستعاذ بمخلوق مطلقا يُعنى أنه لا يستعاذ به من جهة النوعين جميعا؛ لأن منه القلب -يعني النوعين معا-؛ لأن منه عمل القلب الذي وصفتُ، بالإجماع لا يصلح إلا لله جل وعلا.

وإذا قيل الاستعاذة تصلح بالمخلوق فيما يقدر عليه فهذا لما جاء في بعض الأدلة من الدلالة على ذلك، وهذا إنما يراد منه الاستعاذة بالقول ورغب القلب في أن يخْلُص مما هو فيه من البلاء، وهذا يجوز أن يتوجه به إلى المخلوق.

فإذن حقيقة الاستعاذة تجمع الطلب الظاهر وتجمع المعنى الباطن، ولهذا اختلف أهل العلم فيها، فالذي ينبغي أن يكون منك دائما على ذُكر أن توجه أهل العبادات الشركية لمن يشركون به من الأولياء أو الجن أو الصالحين أو الطالحين أو غير ذلك أنهم جمعوا بين القول باللسان وبين أعمال القلوب التي لا تصلح إلا لله جل وعلا.

وبهذا يبطل ما يقوله أولئك الخرافيون من أنّ الاستعاذة بهم إنما هي فيما يقدرون عليه، وأنّ الله أقدرهم على ذلك، فيكون إبطال مقالهم راجعا إلى جهتين:

الجهة الأولى أن يبطل قولهم في الاستعاذة وفي أشباهها أن هذا الميْت أو هذا الجن يقدر على هذا الأمر، وإذا لم يقتنع بذلك أو حصل هنالك إيراد اشتباه فيه.

فالأعظم أن يتوجه المورد إلى الأدلة السنية أن يتوجه إلى أعمال القلب وأن هذا الذي توجه إلى ذلك الميْت أو الولي قد قام بقلب من العبوديات ما لا يصلح إلا لله جل جلاله.

إذن فنقول الاستعاذة لغير الله شرك أكبر لأنها صرف العبادة لغير الله جل جلاله، فإن كان ذلك في الظاهر مع طمأنينة القلب بالله وتوجه القلب إلى الله وحسن ظن بالله وأن هذا العبد إنما هو سبب أن القلب مطمئن فيما عند الله، فإن هذه تكون استعاذة بالظاهر، وأما القلب فإن لم تقم به حقيقة الاستعاذة وإذا كان كذلك كان هذا جائزا.

قال رحمه الله (وقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً} [الجن:6] ) (وَأَنَّهُ) هذه معطوفة على أول السورة وهو ما أوحى الله جل وعلا إلى نبيه {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنْ الْجِنِّ} [الجن:1] ، ثم بعد آيات (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) ومعنى (رَهَقاً) هنا يعني خوفا واضطرابا في القلب أوجب لهم الإرهاق والرهق في الأبدان والأرواح، فلما كان كذلك تعاظمت الجن وزاد شرُّها، قال (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ) وقد كان المشركون إذا نزلوا بواد أو بمكان مخوف كانوا يعتقدون أن لكل مكان مخوف جني أو سيّد من الجن يخدم ذلك المكان هو له ويسيطر عليه، فكانوا إذا نزلوا واديا أو مكانا قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه يعنون الجن فعاذوا بالجن لأجل أن يكفَّ عنهم الشر مدة مقامهم، لهذا قال جل وعلا (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) ، (فَزَادُوهُمْ) يعني زاد الجنُّ الإنسَ خوفا واضطرابا وتعبا في الأنفس والأرواح وإذا كان كذلك كان هذا مما هو من العقوبة عليهم، والعقوبة إنما تكون على ذنب، فدلت الآية على ذم أولئك، وإنما ذُموا لأنهم صرفوا تلك العبادة لغير الله جل وعلا، والله سبحانه أمر أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت