فهرس الكتاب
يُستعاذ به دون ما سواه فقال سبحانه {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} [الفلق:1] ، وقال {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ} [الناس:1] .وقال {قُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97) وَأَعُوذُ بِكَ [رَبِّ] أَن يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:97 - 98] والآيات في ذلك كثيرة كقوله {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بالله} [1] فعُلم من التنصيص على المستعاذ به وهو الله جل وعلا على أنّ الاستعاذة حصلت بالله وبغيره وأن الله أمر نبيه أن تكون استعاذته به وحده دون ما سواه، وذكرتُ لكم أصل الدليل في ذلك أن الإستعاذة عبادة وإذا كانت عبادة فتدخل فيما دلت عليه لآيات من أفراد العبادة بالله وحده.
وفي قوله (فَزَادُوهُمْ رَهَقاً) ثَم قولا آخر -وهو قول قتادة وبعض السلف- من أن (رَهَقاً) معناه إثما؛ فزادوهم إثما وهذا أيضا ظاهر من جهة الإستدلال إذا كانت الإستعاذة موجبة للإثم، فهي إذن عبادة إذا صرفت لغير الله وعبادة مطلوبة إذا حرفت لله جل جلاله، وهذا يستقيم مع الترجمة من أن الاستعاذة بغير الله شرك.
قال (وعن خولة بنت حكيم رضي الله عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ «مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ, لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ, حَتّىَ يَرْحَلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ» رواه مسلم) وجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن فضل الاستعاذة بكلمات الله فقال (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ) وجعل المستعاذ منه المخلوقات الشريرة، والمستعاذ به هو كلمات الله، وقد استدل أهل العلم -حين ناظروا المعتزلة وردوا عليهم- استدلوا بهذا الحديث على أن كلمات الله ليست بمخلوقة قالوا: لأن المخلوق لا يستعاذ به والإستعاذة به شرك. كما قاله الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة.
فوجه الدلالة من الحديث إجماع أهل السنة على الاستدلال به على أن الاستعاذة بالمخلوق شرك، وأنه لما أمر بالاستعاذة بكلمات الله فإن كلمات الله جل وعلا ليست بمخلوقة.
قال (مَنْ نَزَلَ مَنْزِلاً فقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ) فالمقصود بـ (كَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ) هنا: الكلمات الكونية التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر وهي المقصودة بقوله جل وعلا {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف:109] ، {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان:27] .
{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} [الأنعام:115] ، وفي قراءة {وَتَمَّتْ كَلِمَاتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا} هذه الآية في الكلمات الشرعية وكذا في الكلمات الكونية.
إذن فقوله (أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ) يعني الكلمات الكونية، (مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ) يعني من شر الذي خلقه الله جل وعلا، وهذا العموم المقصود من شر المخلوقات التي فيها شر، وليست كل المخلوقات فيها شر؛ بل ثم مخلوقات طيبة ليس فيها شر كالجنة والملائكة والرسل والأنبياء والأولياء، وهناك مخلوقات خُلقت وفيها شر فاستعيذ بالله جل وعلا بكلمات الله جل وعلا من شر الأنفس الشريرة والمخلوقات التي فيها شر.
(1) الأعراف:200، فصلت:36.