فهرس الكتاب

الصفحة 137 من 260

فهذه الآيات فيها إبطال لدعوى أولئك المشركين في أنه ثَم أحد يملك الشفاعة بدون إذن الله وبدون رضاه عن المشفوع له.

وإذا ثبت انه لا أحد يملكها وأن من يشفع إنما يشفع بإكرام الله له وبإذنه جل وعلا له، فإذن كيف يتعلق المتعلق بهذا المخلوق؟ إنما يتعلق بالذي يملك الشفاعة، ولهذا شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة حاصلة لكن نطلبها ممن؟ نطلبها من الله؛ فنقول: اللهم شفِّع فينا نبيك. لأنه هو الذي يفتح ويُلهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يشفع في فلان وفي فلان؛ في من سألوا الله أن يشفع لهم النبي عليه الصلاة والسلام.

لهذا أعقبها الشيخ رحمه بالله بآية سبأ قال (وقوله {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير} [سبإ:22] ) ، هذه ثلاث حالات:

(الحالة الأولى: أن يدعوا الذين زعموهم من دون الله، وأن ينظروا هل يملكون مثقال ذرة في السماوات أو في الأرض، قال جل وعلا(لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْض) ، فإذن المِلك الاستقلالي لهم نُفِيَ، وهذه هي الحالة الأولى.

(والثانية: قال(وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ) أيضا نُفِيَ أن يكونوا شركاء لله في المُلك في تدبير السماوات والأرض، في مِلك شيء في السماوات والأرض.

فنُفي أولا أن يملكوا استقلالا.

ونُفي ثانيا أن يملكوا شركة.

(قال جل علا بعدها(وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ) الظهير هو المعاون والمؤازر والوزير، قال (مَا لَهُ) جل وعلا (مِنْهُمْ) يعني من تلك الآلهة من وزير ولا معاون؛ لأنه يتبادر إلى ذهن بعض الناس أن ثمة من يعين الله على أمره مثل الملائكة أو مثل الأنبياء، فإذا تُوُجِّه إلى أولئك بالدعاء وبالطلب كان التوجه إلى من يعين الله، فيكون إذا طلب من الله فإن الله لا يرده لأنه يعينه.

بنوا ذلك على تشبيه الخالق جل وعلا بما يحصل من المخلوقين، فإن الملك في هذه الدنيا أو الحاكم أو الأمير إذا كان له من يعينه ومن ظاهره وشفع لأحد فإنه لا يرد شفاعة لأنه يحتاجه؛ فلأجل هذه الحاجة لا يرد أي عمل أو الملك شفاعة من له ظهير، من كان له ظهير، فيظن المشركون أن بعض تلك الآلهة معاونة الله جل وعلا، فنفى الله هذا الاعتقاد الجاهلي، ونفى أخيرا آخر اعتقاد وهو أن تلك الآلهة كما الشفاعة قال جل وعلا {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِير} [سبإ:23] ، فنفى آخر ما نفى الشفاعة وأثبتها بشرط قال (وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) . [1]

فالشفاعة تنفع بشرط أن يأذن الله، فإذن لا يبتدئ هذا الشافع فيشفع.

فإذا كان كذلك توجّه السؤال إذن الآن: من يأذن الله لهم؟ إذا كان ليس له شريك، وليس له ظهير، وليس عنده شفيع إلا بإذنه، فمن ذا الذي -إذن- يشفع عنده بإذنه، من هم، ومن الذي يأذن له الله جل وعلا؟

الجواب في ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميه فيما ساقه الشيخ رحمه الله بعد ذلك.

إذن فالآيات التي سبقت من أول الباب إلى هنا رتبها الإمام رحمه الله ترتيبا موضوعيا، فالآيات الأُوَل وجه الاستدلال منها أنّ الشفاعة مِلك لله -الآية الأولى والثانية- وأنه ليس لأحد شيء من الشفاعة؛ يعني ليس أحد يملك شيئا من الشفاعة، فإذا كان لا يملك إذن من يشفع، كيف يشفع؟ يشفع بأن يعطى الشفاعة، يؤذن له بالشفاعة، يكرم بالشفاعة.

من يشفع؟ هل يشفع استقلالا؟ نفى شفاعة الاستقلال وأثبت الشفاعة بشرطين وهو شرط الإذن والرضى.

إذا كان كذلك فمن الذي يؤذن له؟ ومن الذي يُرضى له أن يشفع؟ ومن الذي يرضى عنه أن يُشفّع فيه؟ هذه ثلاثة أسئلة جوابها في كلام شيخ الإسلام، حيث قال المصنف رحمه الله: (قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره مِلك أو قسط منه أو يكون عوناً لله، ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب، كما قال: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى} [الأنبياء:28] ، فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن) ، (منتفية يوم القيامة) يعني عن جميع الخلق إلا لمن أثبت الله جل وعلا له الاستحقاق أو أن يكون نائلا تلك الشفاعة؛ يعني الأصل لا شفاعة إلا لمن رضي الله قوله أو أذن له جل وعلا، قال (كما نفاها القرآن وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده) .

قول الشيخ رحمه الله (فهذه الشفاعة التي يضنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن) يعني منتفية بدون شروط لأن المشركين يعتقدون أنها تحصل بدون إذن من الله ولا رضاه؛ لأن الشافع عندهم يملك الشفاعة، ولكن هي تحصل بالشرط كما أثبت ذلك الكتاب والسنة.

قال (يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا ثم يقال له ارفع رأسك وقل يُسمع وسل تُعطى واشفع تشفع، وقال له أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» ) .

فالدليل الأول من السنة في أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد ولد آدم لا يشفع حتى يؤذن له، (يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع) هذا في دليل الإذن، من الذي يؤذن له؟ يؤذن للنبي عليه الصلاة و السلام ويؤذن لغيره، لا يبتدئون وإنما يستأذنون في الشفاعة فيؤذن لهم لم؟ لأنهم لا يملكونها وإنما الذي يملكها عند الله إنما هو الله جل وعلا سبحانه وتعالى.

من الذي يؤذن في الشفاعة فيه؟ من الذين يرضى عنه في الشفاعة؟ جاء بالحديث الآخر حيث قال أبو هريرة للنبي صَلَّى الله عليه وسلم (من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» ) فهذا الذي يرضى عنه فيشفع فيه بعد إذن الله جل وعلا هو صاحب الإخلاص؛ هم أهل التوحيد.

(1) انتهى الوجه الأول من الشريط السابع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت