فهرس الكتاب
فإذن تلك الشفاعة منتفية عن أهل الشرك ولهذا قال (فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله) .
فإذا كان كذلك يكون الدي توجه إلى الموتى؛ إلى الرسل أو إلى الأنبياء أو إلى الصالحين أو الطالحين يطلب منهم الشفاعة فإنه مشرك؛ لأنه توجه بالدعاء لغير الله، وأولئك لا يملكون الشفاعة وإنما يشفعون بعد الإذن والرضى، والرضى يكون عن أهل التوحيد وأهل التوحيد هم الذين لا يسألون الشفاعة أحدا من الموتى.
فإذن كل من سأل ميْتا الشفاعة فقد حرم نفسه الشفاعة لأنه أشرك بالله جل وعلا، والشفاعة المثبتة إنما هي لأهل الإخلاص ليس لأهل الشرك فيها نصيب.
ونقف عند هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
بقي في باب الشفاعة الأسطر الأخيرة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فوقفنا عند قوله (وحقيقته) يعني حقيقة الشفاعة (أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود) هذا في حقيقة الشفاعة، فإننا ذكرنا لكم أن الشفاعة نُفي أن يملكها أحد إلا الله جل وعلا {قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا} [الزمر:44] ، لام هذه لام المِلك يعني الذي يملك الشفاعة هو الله جل وعلا، فقال {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] ، فإنّ الشفاعة إنما هي لله تبارك وتعالى، وجاء في الأدلة أن الشفاعة منفية عن المشركين وأن الشفاعة النافعة إنما هي لأهل الإخلاص بشرطين الإذن والرضى.
إذا تقرر ذلك فما حقيقة الشفاعة؟ يعني ما حقيقة حصولها وكيف تحصل؟
الجواب في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله (حقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضّل على أهل الإخلاص) يعني الذين شُفع لهم إنما ذلك بتفضّل الله جل وعلا عليهم وهم أهل الإخلاص، حيث جاء في حديث أبو هريرة: قال عليه الصلاة والسلام «أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه» أو قال «خالصا من قلبه ونفسه» ، فأهل الإخلاص هم الذين يُكرمهم الله بالشفاعة، فالمتفضل بالشفاعة هو الله جل وعلا.
فإذا ثبت ذلك انقطع القلب من التعلق بغير الله لأجل الشفاعة، فإن الذين توجهوا إلى المعبودات المختلفة -إلى الأولياء إلى الصالحين إلى الملائكة إلى غير ذلك- توجهوا إليهم رجاء الشفاعة، كما قال جل وعلا عنهم {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس:18] ، فإذا بطل أن تكون لهم الشفاعة وأن المتفضل بالشفاعة هو الله جل وعلا فإن الله جل جلاله إنما يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة من دعا، بواسطة دعاء الذي أذن له أن يشفع.
وهاهنا سؤال: لِم لم يتفضل الله عليهم أن غفر لهم بدون واسطة الشفاعة؟
والجواب عند ذلك ما ذكره شيخ الإسلام هنا بقوله (ليكرمه) فهو إظهار فضل الشافع، إظهار إكرام الله جل وعلا للشافع في ذلك المقام، إذْ -كما هو معلوم- أن الشافع الذي قُبلت شفاعته ليس في المقام مثل المشفوع له فالله جل وعلا يُظهر إكرامه لمن أذن له أن يشفع، ويُظهر رحمته بالشافع؛ لأن الشافع له قرابة يريد أن يشفع لهم، له أحباب يريد أن يشفع لهم، لذلك الشفاعة يوم القيامة لأهل الكبائر ليست خاصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بل يشفع للأنبياء