فهرس الكتاب
وتشفع الملائكة ويشفع أيضا الصالحون، فهذه شفاعات مختلفة في أهل الكبائر بإكرام الله جل وعلا للشافع ورحمة بالشافع، وأيضا رحمة بالمشفوع له وإظهار فضل الله جل وعلا على الشافع والمشفوع له.
هذه هي حقيقة الشفاعة أنّ الله جل وعلا يتفضل فيقبل الشفاعة بإذنه، يتفضل على الشافع ويكرمه بأن يشفع، يتفضل ويرحم المشفوع له فيقبل فيه الشفاعة.
فإذن هي كلها دالة -لمن كان له قلب- على عظم الله جل وعلا وتفرده بالملك وتفرده بتدبير الأمر وأنه الذي يجير ولا يجار عليه سبحانه وتعالى، هو الذي له الشفاعة كلها، هو الذي له ملك الأمر كله، ليس لأحد منه شيء، وإنما يُظهر فضله ويُظهر إحسانه ويُظهر رحمته ويظهر كرمه لتتعلق القلوب به.
فبطل إذن أن يكون ثمة تعلق للقلب لغير الله جل وعلا لأجل الشفاعة، فالذين تعلقوا بالأولياء أو تعلقوا بالصالحين أو بالأنبياء أو بالملائكة لأجل الشفاعة هذه هي حقيقة الشفاعة من أنها فضل من الله جل وعلا وإكرام.
فإذا كانت كذلك وجب أن تتعلق القلوب به سبحانه وتعالى في رجاء الشفاعة؛ إذ هو المتفضل بها على الحقيقة، والعباد مكرمون بها لا يبتدئون بالقول ولا يسبقون بالقول، وإنما يجلون ويخافون ويثنون على الله ويحمدون حتى يؤذن لهم بالشفاعة.
ثم قال شيخ الإسلام (فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك) التي نفاها القرآن في مثل قوله جل وعلا {لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ} [الأنعام: 51] ، هذه شفاعة منفية، هي الشفاعة التي فيها شرك، كذلك الشفاعة للمشركين منفية لأنهم لم يُرض عنهم.
فالشفاعة التي فيها شرك من جهة الطلب أو من جهة من سئل له بأن ذلك مشركا فإنها منفية عن أهلها لا تنفعهم.
فإذن يثبت في ذلك أن الذي هو حقيق بالشفاعة هو الذي أنعم عليه بالإخلاص ووفقه لتعظيمه وتعليق القلب به وحده دون ما سواه.
فإذن كل مشرك الشفاعة عنه منفية؛ كل مشرك الشرك الأكبر فالشفاعة عنه منفية؛ لأن الشفاعة فضل من الله لأهل الإخلاص.
أما الشفاعة المثبتة فهي التي أثبتت؛ يعني جاء إثباتها بشرط الإذن والرضى.
قال شيخ الإسلام بعد ذلك (ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع) وهذه هي الشفاعة المثبتة، أثبتها بإذنه في مواضع يعني بشرط الإذن.
والإذن: إذن كوني وإذن شرعي.
فالمأذون له لا يمكن أن تحصل له الشفاعة إلاّ أن يؤذن الله له كونا بأن يشفع، فإذا منعه الله كونا أن يشفع ما حصلت منه الشفاعة ولا تحرك بها لسانه.