فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 260

ويتضح المقام بتأمل حال المشركين وعبدة الأوثان وعبدة القبور في مثل هذه الأزمنة، فإنك تجد المتوجه لقبر الولي في قلبه من محبة ذلك الولي وتعظيمه ومحبة سدنة ذلك القبر ما يجعله في رغب ورهب وفي خوف وفي طمع وفي إجلال حين يعبد ذلك الولي أو يتوجه إليه بأنواع العبادة؛ لأجل تحصيل مطلوبه، فهذه هي محبة العبادة التي صرفها لغير الله جل وعلا شرك أكبر به؛ بل هي عماد الدين؛ بل هي عماد صلاح القلب فإن القلب لا يصلح إلا بأن يكون محبا لله جل وعلا وأن تكون محبته لله جل وعلا أعظم من كل شيء.

فالمحبة؛ محبة الله وحده هذه -يعني محبة العبادة- هذه من أعظم أنواع العبادات، وإفراد الله بها واجب.

والمحبة مع الله محبة العبادة هذه شركية، من أحب غير الله جل وعلا معه محبة العبادة فإنه مشرك الشرك الأكبر بالله جل وعلا.

هذه الأنواع الثلاثة هي المحبة المتعلقة بالله.

أما النوع الثاني من أنواع المحبة وهي المحبة المتعلقة بغير الله من جهة المحبة الطبيعية، وهذا أذن فيه الشرع وجائز؛ لأن المحبة فيها ليست محبة العبادة والرغب والرهب الذي هو من العبادة، وإنما هي محبة للدنيا، وذلك كمحبة الوالد لولده والولد لوالده والرجل لزوجته والأقارب لأقربائهم والتلميذ لشيخه والمعلم لأبنائه ونحو ذلك من الأحوال، هذه محبة طبيعية لا بأس بها؛ بل الله جل وعلا جعلها غريزة.

قال الإمام رحمه الله (باب قول الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة:165] ) قوله (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا) , (أَندَادًا) يعني أشباها ونظراء و أكْفَاء يعني يساوونهم في المحبة، لهذا قال (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) :

وأحد وجهي التفسير في قوله (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) يعني يحبّ المشركون الأنداد كحب المشركين لله.

والوجه الثاني من التفسير أن قوله (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) معناه يحب المشركون الأنداد كحب المؤمنين لله.

والوجه الأول أظهر، والكاف فيه هنا في قوله (كَحُبِّ اللَّهِ) بمعنى مثل؛ يعني يحبونهم مثل حب الله وهي كاف المساواة ومثلية المساواة، ولهذا قال جل وعلا في سورة الشعراء مخبرا عن قول أهل النار {تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء:97 - 98] ، قال العلماء: سووهم برب العالمين في المحبة بدليل هذه الآية، ولم يسووهم برب العالمين في الخلق والرزق وأفراد الربوبية.

قال (وقوله {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} ) إلى قوله ( {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ} [التوبة:24] ) هذا يدل على أن محبة الله جل وعلا واجبة، وأنّ محبة الله يجب أن تكون فوق كل محبوب وأن يحب الله أعظم من محبته لأي شيء، قال جل وعلا (قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ) إلى أن قال (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ) , وهذا وعيد، فيدل على أن تقديم محبة غير الله على محبة الله كبيرة من الكبائر ومحرم من المحرمات؛ لأن الله توعد عليه وحكم على فاعله بالفسق والظلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت