فهرس الكتاب
فالواجب لتكميل التوحيد أن يحب العبد الله ورسوله فوق كل محبوب، ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام هي محبة في الله ليست محبة مع الله؛ بل هي محبة في الله لأن الله الذي أمرنا بحب النبي عليه الصلاة والسلام، ومحبته -إذن- في الله؛ يعني في الله لأجل محبة الله؛ فإن من أحب الله جل وعلا أحب رسله.
قال (عن أنس، أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ» ) قوله (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) يعني الإيمان الكامل، وقوله (حَتّى أَكُونَ أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ) يعني أن تكون محابي مقدمة على محابّ غيري فحتى أكون في نفسه أحب إليه وأعظم في نفسه من ولده ووالده والناس أجمعين، وفي حديث عمر المعروف أنه قال للنبي عليه الصلاة و السلام: إلا من نفسي. فقال «يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك» ، فقال عمر: أنت الآن أحب إلي من نفسي. قال «فالآن يا عمر» ؛ يعني كملت الإيمان، فقوله (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) يعني الإيمان الكامل حتى يقدم محبة النبي عليه الصلاة والسلام على محبة الولد والوالد والناس أجمعين، ويظهر هذا بالعمل فإذا كان يقدم محاب هؤلاء على ما فيه مرضاة الله جل وعلا وعلى ما أمر به عليه الصلاة والسلام، فإن محبته النبي علبه الصلاة والسلام تكون ناقصة؛ لأن المحبة محركة كما قال شيخ الإسلام في كتابه قاعدة في المحبة يقول: المحبة هي التي تحرك. فالذي يحب الدنيا يتحرك إلى الدنيا، والذي يحب العلم يتحرك للعلم، الذي يحب الله جل وعلا محبة عبادة ورغب ورهب يتحرك طالبا لمرضاته ويتحرك مبعدا على ما فيه مساخط الرب جل وعلا، كذلك الذي يحب النبي عليه الصلاة والسلام على الحقيقة فإنه الذي يسعى في إتباع سنته وفي امتثال أمره و في اجتناب نهيه والاهتداء بهديه والإقتداء بسننه عليه الصلاة والسلام.
قال (ولهما عنه، قال: قال رسول - صلى الله عليه وسلم - «ثَلاثٌ مَنْ كُنّ فيهِ وَجَدَ بهن حَلاوَةَ الإْيمان: أَنْ يَكونَ اللّهُ ورسولُه أحبَّ إليهِ مِمّا سِواهُما, وأنْ يُحِبّ المَرْءَ لا يُحِبّهُ إلاّ لله, وأنْ يَكرَهَ أنْ يَعودَ في الكُفرِ بعد إذْ أنقَذُه الله منه كما يكرَهُ أنْ يُقذَفَ في النّار» ) والاستدلال به ظاهر على أن محبة الله ورسوله يجب أن تكون مقدمة على محبة ما سواهما، وأنها من كمال الإيمان وأن العبد لن يجد كمال الإيمان إلا بذلك.
قال (وفي رواية «لا يجدُ أحدٌ حَلاوَةَ الإْيمان حَتّى .... » . إلى آخره) المقصود بالحلاوة هنا الحلاوة الناتجة عن تحصيل كماله؛ لأن الإيمان له حلاوة, حلاوة توجد في الروح، وكلما سعى العبد في تكميل إيمانه اشتد وَجْده لهذه الحلاوة واشتد شعوره بتلك الحلاوة واللذة التي تكون في القلب.
قال (وعن ابن عباس قال: من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك) هذه محبة في الله راجعة إلى الأمر والنهي، وهي من أقسام المحبة.
(أحب في الله) يعني كانت محبته لذلك المحبوب لأجل أمر الله.
(أبغض في الله) يعني كان بغضه لذلك المبغَض لأجل أمر الله.
(ووالى في الله) كانت موالاته للعقد الذي كان بينه وبين ذاك في الله جل وعلا من أخوة إيمانية.
قال (وعادى في الله) يعني لما حصل بينه وبين ذاك الذي خالف أمر الله إما بكفر أو بما دونه.