فهرس الكتاب
العبادات, وتوحيد الله بهذه العبادة توحيد، وإشراك غير الله معه في هذه العبادة شرك ولهذا قال (فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .
والخوف من الخلق -كما ذكرنا- في ترك فريضة الجهاد إنما يكون من جرّاء الشيطان، فالشيطان وهو الذي يخوف المؤمنين من أوليائه، ويخوف أهل التوحيد وأهل الإيمان من أعداء الله جل وعلا لكي يتركوا الفريضة، فلهذا صار ذلك الخوف محرما يعني الخوف من الأعداء الذي يترتب عليه ترك فريضة من فرائض الله -من الجهاد وغيره-.
والواجب أن لا يخاف العبد إلا ربه جل وعلا، وأن ينزل خوفه به، وأن لا يخاف أولياء الشيطان.
وقوله جل وعلا هنا (إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) معناها على الصحيح من التفسير أو على الراجح: يخوفكم أولياءه, يعني يخوف أهل الإيمان أولياء الشيطان, ففاعل (يُخَوِّفُ) محذوف دل عليه السياق، الفاعل هو الشيطان، يخوفُ الشيطانُ الناسَ أولياءَه؛ أولياء الشيطان؛ يعني يجعل الشيطان أهل التوحيد في خوف من أعدائهم، لهذا قال السلف في تفسيرها (يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ) يعني يخوفكم أولياءه، وهذا الظاهر من الآيات قبلها كقوله {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران:173] .
قال الشيخ رحمه الله (وقوله {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ} [التوبة:18] ) وجه الدلالة من الآية قوله (وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ) وهذا نفي واستثناء ومرّ معنا أن مجيء أداة الاستثناء بعد النفي يدل على الحصر والقصر، فإذن الآية دالة بظهور على أن الخشية يجب أن تكون في الله، وأن الله أثنى على أولئك بأنهم جعلوا خشيتهم في الله وحده دون ما سواه، والخشية أخصّ من الخوف.
قال (وقوله {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللهِ} [العنكبوت:10] الآية) جعل فتنة الناس كعذاب الله بأن خاف منها وترك ما أوجب الله عليه أو أقدم على ما حرم الله عليه خشية من كلام الناس.
قال (وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - مرفوعاً: «إنّ من ضعْف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمَدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يردُّه كراهية كاره» ) وجه الاستدلال بهذا الحديث قوله (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله) , (من ضعف اليقين) يعني من أسباب ضعف الإيمان والذي يضعف الإيمان المحرمات لأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, فدلّ على أن إرضاء الناس بسخط الله معصية وذم ومحرم؛ لأن هذا الذي أرضى الناس بسخط الله خافهم أو رجاهم, هذا مناسبة إيراد الحديث في الباب.
قال (وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من التمس رضى الله بسخط الناس؛ رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في صحيحه) هذا جزاء الذي أفرد الله بعبادة الخوف، وجزاء الذي لم يُكْمِل التوحيدَ في عبادة الخوف، فالذي التمس رضى الله بسخط الناس هذا عظم الله وخافه, ولم يجعل فتنة الناس كعذاب الله, بل جعل عذاب الله أعظم فخاف الله وخشيه وطمع