الأول ظاهر وهو تبع للباب قبله؛ يعني كلام ابن عباس على الآية ثم قال في آخره (لا تجعل فيها فلانا هذا كله به شرك) يعني لا تقل لولا الله وفلان، قل لولا الله لحصل كذا وكذا، هذا هو الأكمل، فالذي ينبغي في استعمال هذه الألفاظ أن تنسب إلى الله.
فظهر لنا هنا أنّ ثمة درجتين جائزة، وغير ذلك لا يجوز. وهاتان الدرجتان:
الأولى هي الكاملة، وهي أن يقول: لولا الله لما حصل كذا.
والجائز أن يقول: لولا الله ثم فلان لما حصل كذا، هذه جائزة وهي توحيد بجعله مرتبة فلان نازلة عن مرتبة نعمة الله جل وعلا أو إنعام الله؛ لكن هذا ليس هو الكمال، ولهذا قال ابن عباس هنا (لا تجعل فيها فلان) .
لأن الكمال أن تقول: لو لا الله لأتانا اللصوص، لولا نعمة الله لما حصل كذا، لولا فضل الله لما حصل كذا هذه هي المرتبة الكاملة.
والجواز أن تقول لولا الله ثم فلان.
وأما الذي لا يجوز والذي قال فيه ابن عباس (كله به شرك) أن يقول: لولا الله وفلان. بالواو لأن الواو تفيد التشريك بين المعطوف والمعطوف عليه دون تراخٍ في المرتبة، أما (ثُم) فتفيد التراخي في المرتبة أو التراخي في الزمن، هذا ما هو معلومٌ في هذا المبحث في حروف المعاني من النحو.
فلهذا صار قول القائل: لولا الله وفلان. شرك أو ما شاء الله وشاء فلان أن هذا شرك أصغر.
والواجب أن يقول: لولا الله. أو أن يقول: ما شاء الله وحده. كما سيأتي في بابٍ بعد ذلك.
فإذن تحصّل لنا أنّ الكمال أن ينسب ذلك إلى الله جل وعلا، وأنّ الجاهز أن يقول: لولا الله ثم فلان.
قال (وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ» . رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم) (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله) يعني عقد اليمين بغير الله جل وعلا (فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ) .
واليمين: هي تأكيد الكلام لمعظم به بين المتكلم والمخاطب، يؤكد الكلام بمعظم به بأحد حروف القسم الثلاث: الواو أو الباء أو التاء.
فاليمين أو الحلف يكون بتأكيد الكلام بمعظم به بالواو أو بالباء أو بالتاء. والواجب أن لا يؤكد الكلام إلا بالله جل وعلا؛ لأن المعظم على الحقيقة هو الله جل وعلا، وأما البشر فليسوا بمعظمين بحيث يُحلف بهم، وإنما ربما عظموا بشيء يناسب ذاتهم، تعظيم البشر اللائق، أما التعظيم الذي يصل إلى الحد الذي يُحلف به، فهذا إنما هو لله جل وعلا.
فإذن الواجب ألا يؤكد الكلام إلا بالله جل وعلا إذا أراد الحلف، إذا أراد أن يكون حالفا فليحلف بالله، فليؤكد الكلام بالله جل وعلا باستخدام أحد الحرف الثلاثة الواو أو الباء أو التاء.
وأما إذا استخدم غير هذه الأحرف كلفظ (في) ونحو ذلك فإنه لا يعد حلفا، إلا إن كان في قلبه أنه يمين ولكنه أخطأ التعبير فالعبرة ما في التفسير من المعاني، وأما ما في اللفظ فإنه في المقام يؤول إلى ما في القلب.