فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 260

لهذا قال هنا (مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ الله فقد كَفَرَ أو أشْرَكَ) لماذا كفر أو أشرك؟ لأنه عظم هذا المخلوق كتعظيم الله جل وعلا في الحلف به، وكُفره وشركه شرك أصغر، وقد يصل إلى أن يُشرك بالحلف شركا أكبر إذا عظَّم المحلوف به كتعظيم الله جل وعلا في العبادة.

فإذن صار حقيقة الحلف بغير الله أنه تعظيم لذلك المحلوف به في الحلف، فإذا انضاف إلى ذلك أن المحلوف به معظم في العبادة صار شركا أكبر؛ كحلف الذين يعبون الأوثان بأوثانهم فإنه شرك أكبر؛ لأنه يعظم ذلك الوثن أو ذلك القبر أو تلك البقعة أو ذلك المشهد أو ذلك الولي يعظمه كتعظيم الله في العبادة، فيكون حلفه حلفا بمعظم به في العبادة.

فإذن صار هنا الشرك الأصغر حاصل بمجرد الحلف بغير الله، فكل من حلف بغير الله فهو مشرك الشرك الصغر، قد يصل في بعض الأحوال أن يكون مشركا الشرك الكبر إذا كان يعبد هذا الذي حلف به.

وهناك يمين بغير الله في اللفظ، فهذه أيضا شرك وإن لم يعقد القلب اليمين، كمن يكون دائما على لسانه استعمال الحلف بالنبي أو بالكعبة أو بالأمانة أو بالولي ونحو ذلك وهو لا يريد حقيقة اليمين، وإنما يجري على لسانه مجرى في اللغو، فهذا أيضا شرك لأنه تعظيم لغير الله جل وعلا.

قال (وقال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذباً أحب إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً.) هذا لأجل عِظم الحلف بغير الله جل وعلا، وأنّ الحلف بغير الله شرك، وأما الكذب فإنه كبيرة والشرك الأصغر هذا من أعظم الكبائر، فلهذا استحب أن يكذب مع التوحيد وأن لا يصدق مع الشرك؛ لأن حسنة التوحيد أعظم من سيئة الكذب؛ ولأن سيئة الشرك أشنع من سيئة الكذب.

قال (وعن حذيفة - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَقولُوا: مَا شَاءَ الله وَشَاءَ فُلاَنٌ وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمّ شَاءَ فُلاَنٌ» رواه أبو داوودَ بسند صحيح) هذا من جهة الإرشاد إلى ما ينبغي أن يقال، فلا تجعل مشيئة العبد مقارِنة مشتركة مع مشيئة الله، فالواجب أن ينزه العبد لفظه حتى يعظم الله جل وعلا، والقلب المعظم لله جل وعلا لا يمكن أن يستعمل لفظا فيه جعل لمخلوق في مرتبة الله جل وعلا في المشيئة أو في الحلف أو في الصفات ونحو ذلك، لهذا قال (لا تَقولُوا: مَا شَاءَ الله وَشَاءَ فُلاَنٌ) وهذا النهي للتحريم؛ لأن هذا التشريك في المشيئة هذا شرك أصغر بالله جل وعلا، قال (وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمّ شَاءَ فُلاَنٌ) لأن (ثُمّ) تفيد التراخي في المشيئة، وهذا لأن مشيئة العبد تبع لمشيئة الله جل وعلا قال تعالى {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير:29] ، فمشيئة العبد ناقصة ومشيئة الله كاملة قال:

قال (وجاء عن إبراهيم النخعي: أنه يَكره: أعوذ بالله وبك) ، (أعوذ بالله وبك) لأنّ الواو تقتضي التشريك بالاستعاذة، والاستعاذة -كما ذكرنا- لها جهتان: جهة ظاهرة، وجهة باطنة.

أما الجهة الباطنة: وهي الالتجاء والاعتصام والرغب والرهب وإقبال القلب على المستعاذ به، فهذا لا تصلح إلا لله، والاعتماد في الاستعاذة على المخلوق فيما أقدره الله على هذا جائز؛ لأن الاستعاذة بالمخلوق ظاهرت فيما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت