فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 260

صحيحه مفتتحا بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - «إِنّما الأعْمَالُ بالنّيات, وإِنّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى» ، وكتابه كتاب سنة، فجعل كتابه في ابتدائه مبتدأ بكلام صاحب السنة عليه الصلاة والسلام، وهذا من لطيف المعاني؛ التي يرعاها من نوّر الله قلوبهم لمعرفة حقه، وحق رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

(كتاب التوحيد) (التوحيد) مصدر وحّد, يوحّد, توحيدا، وقد جاء هذا اللفظ (التوحيد) بقلة، وجاء في السنة الدعوة إلى توحيد الله؛ كما جاء قي صحيح البخاريّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لمّا بعث معاذ بن جبل إلى اليمن قال «إنّكَ تَأْتِي قَوْماً أَهْلَ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ إلى أن يوحِّدوا الله» ؛ (يوحَّدوا) مصدره التّوحيد، وفي الرواية الأخرى من حديث ابن عباس هذا؛ الذي فيه قصةُ بعثِ معاذٍ إلى اليمن، وهي في الصحيحين قال «فَلْيَكُنْ أَوّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ شَهَادَةُ أَنْ لا إلهَ إلاّ الله وأن محمدا رَسُولُ الله» ، فدلّ على أن التّوحيد هو شهادةُ أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتحقيق هاتين الشهادتين هو تحقيق التوحيد.

التوحيد: جعْل الشيء واحدا, وحّد يعني جعله واحدا, تقول: وحّدْتُ المتكلم. إذا جعلتَه واحدا، ووحّد المسلمون اللهَ؛ إذا جعلوا المعبود واحدا وهو الله جل وعلا.

والتوحيد المطلوب يشمل ما أمر الله جل وعلا في الكتاب من توحيده، وهو ثلاثة أنواع:

الأول توحيد الربوبية، الثاني توحيد الألوهية، والثالث توحيد الأسماء والصفات.

توحيد الربوبية: معناه توحيد الله بأفعاله, أفعال الله كثيرة منها: الخلق، والرَّزق، والإحياء، والإماتة، وتدبير الملك، والنفع، والضَّر، والشفاء، والإجارة؛ يجير ولا يجار عليه، وإجابة دعوة المضطر، وإجابة دعوة الداعي، ونحو ذلك من أفراد الربوبية. فالمتفرد بذلك على الكمال هو الله جل وعلا. فتوحيد الربوبية توحيد الله بأفعاله سبحانه.

وتوحيد الألوهية: مأخوذ من أَلَهَ, يَأْلَهُ, إِلهة, وأُلوهة، إذا عَبَدَ مع المحبة والتعظيم. يُقال: تألّه، إذا عبد معظِّما محبا، ففرْق بين العبادة والألوهة؛ فإنّ الألوهة: عبادة فيها المحبة والتعظيم والرضى بالحال والرجاء والرغب والرهب. فمصدر ألَه، يأله, ألوهة، وإلهة، ولهذا قيل توحيد الإلهية، وقيل توحيد الألوهية، وهما مصدران لـ: أَلَهَ يَأْلَهُ. ومعنى أَلَهَ في لغة العرب: عبد مع المحبة والتعظيم، والتألُّه العبادة على ذاك النحو، قال الراجز [1] :

لله دَرُّ الغانيات المُدَّهِ ... سبَّحْن واسترجعن من تألُّهي

يعني من عبادتي، فتوحيد الإلهية، أو توحيد الألوهية هو توحيد العبادة، يعني جَعْل العبادة لواحد وهو الله جل جلاله.

والعبادة أنواع، والعبادة يفعلها العبد، والله جل وعلا هو المستحق للألوهة وللعبادة؛ يعني هو ذو الألوهة وهو ذو العبادة على خلقه أجمعين.

توحيد الألوهية هو توحيد الله بأفعال العبد؛ أفعالك متنوعة التي تفعلها تقربا، فإذا توجّهت بها لواحد-لواحد وهو الله جلّ وعلا- كنت موحّدا توحيد الإلهية، فإذا توجه العبد بها لله ولغيره، كان مشركا في هذه العبادة.

(1) هو رؤبة بن العجاج [فتح المجيد ص:11] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت