قال (ونحوهما) يعني نحو الشجر والحجر مثل البقاع المختلفة أو غار معين أو قبر معين أو عين ما أو نحو ذلك من الأشياء التي يَعتقد فيها أصل الجهالة.
ما حكمه؟ الجواب: أنه مشرك كما صرّح به الشيخ عبد الرحمن بن حسن في شرحه فتح المجيد.
باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما فهو مشرك.
الشراح في هذا الموضع لم يُفصحوا هل المتبرك بالشجر والحجر شرك أكبر؟ أو شرك أصغر؟
وإنما أدار المعنى الشيخ سليمان رحمه الله في التيسير بعد أن ساق تفسير آية النجم {أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} [النجم:19] ، قال في آخره: مناسبة الآية للترجمة أنه إن كان إن كان التبرك شركا أكبر فظاهر، وإن كان شركا أصغر فالسلف يستدلون بالآيات التي نزلت في الأكبر على الأصغر.
وتحقيق هذا المقام: أن التبرك بالشجر أو الحجر أو بالقبر أو ببقاع مختلفة قد يكون شركا أكبر وقد يكون شركا أصغر:
(يكون شركا أكبر: إذا طلب بركتها معتقدا أن هذا الشجر أو الحجر أو القبر إذا تمسح به أو تمرَّغ عليه أو التصق به يتوسط له عند الله، فإذا اعتقد فيه أنه وسيلة إلى الله، فهذا اتخاذ إله مع الله جل وعلا وشرك أكبر، وهذا هو الذي كان يزعمه أهل الجاهلية للأحجار والأشجار التي يعبدونها، وبالقبور التي يتبركون بها، يعتقدون أنهم إذا عكفوا عندها وتمسحوا بها وبالقبور أو تثروا التراب عليها فإن هذه البقعة أو صاحب هذه البقعة أو الرَّوحانية؛ الروح التي تخدم هذه البقعة أنه يتوسط له عند الله جل وعلا، فهذا راجع إلى اتخاذ أنداد مع الله جل وعلا، قد قال سبحانه {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] .
(ويكون التبرك شركا أصغر: إذا كان هذا التبرك بنثر التراب عليه، أو إلصاق الجسم بذلك، أو التبرك بعين ونحوها، إذا كان من جهة أنه جعله سببا لحصول البركة، بدون اعتقاد أنه يوصل إلى الله؛ يعني جعله سببا مثل ما يجعل لابس التميمة أو لابس الحلقة أو لابس الخيط، جعل تلك الأشياء سببا، فإذا أخذ تراب القبر ونثره عليه لاعتقاده أن هذا التراب مبارك وإذا لامس جسمه فإن جسمه يتبارك من جهة السببية فهذا شرك أصغر؛ لأنه ما صرف عبادة لغير الله جل وعلا، وإنما اعتقد ما ليس سببا مأذونا به شرعا سببا.
وأما إذا تمسح بها -كما هي الحال الأولى- تمسح بها وتمرغ بها والتصق بها لتوصله إلى الله جل وعلا، فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، ولهذا قال الشيخ سليمان -كما ذكرت لك-:
· إن كان الشرك شركا أكبر فظاهر بالاستدلال بالآية.
· وإن كان شركا أصغر فالسلف يستدلون بما نزل في الأكبر على ما يريدون من الاستدلال في مسائل الشرك الأصغر.
قال (وقول الله تعالى وقول الله تعالى {أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى} الآيات) ، (أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) هذه الثلاث ذكرتُ لكم أن الهمزة من قبل -يعني بالأمس- أن همزة الاستفهام إذا أتى بعدها فاء فإنه يكون بينها وبين الفاء جملة دلَّ عليها السياق، فمن أول سورة النجم إلى هذا الموضع يدل على المحذوف.
قال (أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى)، (اللَّاتَ) هذه صخرة بيضاء عند أهل الطائف، وما هُدمت إلاّ بعد أن أسلمت ثقيف؛ أرسل لها النبي - صلى الله عليه وسلم - المُغيرة بن شعبة فهدَمَها وكسّرها، وكان عليها بيت ولها سدنة ولها خدم.
المقصود أن (اللَّاتَ) صخرة وصفت أنها بيضاء.
وفي قراءة ابن عباس وغيره من السلف قرؤوها (اللَّاتَّ) ، (أَفَرَأَيْتُمْ اللاتَّ) , واللاتَّ هذا رجل كان يلتُّ السويق، وكان يعطيهم السويق:
· في رواية على صخرة، فعظموا تلك الصخرة.
· وفي رواية أخرى -يعني على السلف- أنه كان يلتُّ لهم السويق فلما عكفوا على قبره.
فتحصَّل من هذا أن اللاتَ صخرة، وإذا قُرئت اللاتَّ فيكون قبر أو صخرة كان يتعبد عندها ويتصدق ذاك الذي كان يلتّ السويق.
و (الْعُزَّى) شجرة كانت بين مكة والطائف، وكانت في الأصل شجرة ثم بني بناء على ثلاث سَمُرَات، وكان هناك لها سدنة وكانت امرأة كاهنة هي التي كانت تخدم ذلك الشرك، ولمّا فتح النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة أرسل إليها خالد بن الوليد فقطع الأشجار الثلاث؛ السمرات الثلاث، وقتل من قتل ولماّ رجع وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له «ارجع فإنك لم تصنع شيئا» ، فرجع فرآه السدنة ففروا إلى الجبل، ثم رأى مرأة ناشرة شعرها عُريانة -هي الكاهنة التي كانت تخدم ذلك الشرك وتُحضر الجن لإضلال الناس في ذلك الموضع-، فرآها فعلاها بالسيف حتى قتلها، فرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «تلك العُزَّى» .
المقصود أن العزى اسم لشجرة كانت في ذلك الموضع، وفي الحقيقة تعلق الناس كان بتلك الشجرة وبالمرأة التي كانت تخدم ذلك الشرك، فلو قُطعت الأشجار وبقيت المرأة فإن المرأة ستغري الناس مرة أخرى بما تذكره لهم أو ما تحكيه لهم أو ما تجيب به مطلبهم عن طريق الجن، فيكون الشرك ما انقطع، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «تلك العُزَّى» . يعني في الحقيقة هي المرأة التي تغري الناس بذلك وإلاّ فهي شجرة.
كذلك (مَنَاة) قال (وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى) ، (الْأُخْرَى) يعني الوضيعة الحقيرة، (مَنَاة) هذه أيضا صخرة، سُميت (مَنَاة) لكثرة ما يُمْنى عليها من دماء تعظيما لها.
وجه مناسبة الآية للترجمة أن اللاتَ صخرة ومناة صخرة والعزّى شجرة، وما كان يفعله المشركون عند هذه الثلاث فهو عين ما يفعله المشركون في الأزمنة المتأخرة عند الأشجار والأحجار والغيران والقبور، ومن قرأ شيئا مما يصنعه المشركون علم غربة الإسلام في هذه البلاد قبل هذه الدعوة، وأن الناس كانوا على شرك عظيم، وإذا تأملت