أحوال ما حولك من البلاد التي ينتشر فيها الشرك وجدت من اتخاذ الأشجار والأحجار آلهة ويُتبرك بها الشيء الكثير.
أعظم من ذلك اتخاذ القبور آلهة يُتوجه إليها ويُتعبد عندها.
ثم ساق حديث أبي وَاقِدٍ الّليْثِيّ قال (وعن أبي وَاقِدٍ الّليْثِيّ، قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إِلَى حُنَيْنٍ، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سِدْرَة يعكفون عندها ويَنُطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذاتُ أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسولَ الله اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر! إنها السُّنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} [الأعراف: 138] . لَتَرْكَبُنّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» . رواه الترمذي وصححه) هذا الحديث حديث صحيح عظيم، والمشركون كانت لهم سدرة شجرة لهم فيها اعتقاد, واعتقادهم فيها يشمل ثلاثة أشياء:
الأول: أنهم كانوا يعظمونها.
الثاني: أنهم كانوا يعكفون عندها.
الثالث: أنهم كانوا ينوطون بها الأسلحة رجاء نقل البركة من الشجرة إلى السلاح؛ حتى يكون أمضى وحتى يكون خيره لحامله أكثر.
وفعلهم هذا شرك أكبر لأنهم عظموها وعكفوا عندها، والعكوف عبادة وهو ملازمة الشيء على وجه التعظيم والقربة، والثالث أنهم طلبوا منها البركة.
فصار شركهم أكبر لأجل هذه الثلاث مجتمعة.
الصحابة رضوان الله عليهم قالوا يعني من كانوا حديثي عهد بكفر قالوا (اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ) ظنوا أن هذا لا يدخل في الشرك وأن كلمة التوحيد لا تهدم هذا الفعل.
ولهذا قال العلماء: قد يغيب عن بعض الفضلاء بعض مسائل الشرك؛ لأن الصحابة وهم أعرف الناس باللغة، هؤلاء الذين كان إسلامهم بعد الفتح خَفِيَت عليهم بعض أفراد توحيد العبادة.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الله أكبر! إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى {اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} ) شبّه عليه الصلاة والسلام -وانتبه لهذا- شبّه المقالة بالمقالة.
معلوم أن أولئك عبدوا غير الله؛ عبدوا ذات الأنواط، وأمّا أولئك فإنما طلبوا بالقول، والنبي عليه الصلاة والسلام شبه القول بقول قوم موسى (اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ) ولم يفعلوا ما طلبوا ولما نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهوا، ولو فعلوا ما طلبوا لكان شركا أكبر؛ لكن لما قالوا وطلبوا دون فعل صار قولهم شركا أصغر؛ لأنه كان فيه نوع تعلق بغير الله جل وعلا.
لهذا نقول: إن أولئك الصحابة الذين طلبوا هذا الطلب لما نهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - انتهوا، وهم لا يعلمون أن هذا الذي طلبوه غير جائز، وإلاّ فلا يظن بهم أنهم يخالفون أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ويرغبون في معصيته.