فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 260

فإذن صار الشرك في مقالهم، وأمّا الفعل فلم يفعلوا شيئا من الشرك، وهذا الذي قالوه قال العلماء: هو شرك أصغر وليس بشرك أكبر، ولهذا لم يأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بتجديد إسلامهم.

ودلّ على ذلك قوله (قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى) فشبه المقالة بالمقالة، وقد قال الشيخ رحمه الله في المسائل: إنهم لم يكفروا، وأن الشرك منه أكبر ومنه أصغر؛ لأنه لم يأمرهم عليه الصلاة والسلام بتجديد الإسلام.

ظاهر من هذا أن الشرك الأكبر الذي كان فيه المشركون لم يكن راجعا إلى التبرك بذات الأنواط فقط، وإنما كان بالتعظيم والعكوف والتبرك بالتعليق، وقد قلتُ لك إن التبرك بالشجر والحجر ونحو ذلك إذا كان فيه اعتقاد أن هذا الشيء يُقرِّب إلى الله، وأنه يرفع الحاجة إلى الله، أو أن تكون حاجاتهم أرجى إجابة، وأمورهم أحسن إذا تبركوا بهذا الموضع، فهذا شرك أكبر، وهذا الذي كان يصنعه أهل الجاهلية لهذا قلت لك إن فعلهم يشمل ثلاثة أشياء:

· التعظيم -تعظيم العبادة- وهذا لا يجوز إلا لله؛ تعظيم أن هذا يتوصل ويتوسط لهم عند الله جل وعلا وهذا لا يجوز وهذا من أنواع العبادة، واعتقاد شركي.

· والثاني أنهم عكفوا عندها ولازموا، والعكوف والملازمة نوع عبادة، فإذا عكف ولازم تقربا ورجاء ورغبة ورهبة ومحبة هذا نوع من العبادة.

· والثالث التبرك.

فإذن يكون الشرك الأكبر ما ضمّ هذه الثلاث.

وإذا تأملت ما يصنعه عباد القبور والخرافيون في الأزمنة المتأخرة وفي زماننا هذا، وجدت أنهم يصنعون كما كان المشركون الأولون يصنعوا عند اللات وعند العزى وعند مناة وعند ذات أنواط، فإنهم يعتقدون في القبر؛ بل يعتقدون في الحديد الذي يُسيَّج به القبر، فالمشاهد المختلفة في البلاد التي يفشو فيها الشرك أو يظهر فيها الشرك، تجد أنّ الناس يعتقدون في الحائط الذي على القبر، أو في الشُّباك الحديدي الذي يحيط بالقبر، فإذا مسحوا به كأنهم تمسحوا بالمقبور، واتصلت روحهم بأنه سيتوسط لهم لأنهم عظموه, هذا شرك أكبر بالله جل وعلا لأنه رجع إلى تعلق القلب في جلب النفع وفي دفع الضَّر بغير الله جل وعلا وجعله وسيلة إلى الله جل وعلا كفعل الأولين الذين قال الله فيهم {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر:3] .

وأمّا في الحال الأخرى -التي نبهتُكَ في أول المقام عليها- مِن أنه يجعل بعض التمسحات أسبابا، مثل ما ترى بعض الناس الجهلة يأتي في الحرم ويتمسح بأبواب الحرم الخارجية، أو ببعض الجدران، أو ببعض الأعمدة.

فهذا إن ظن أن ثَمّ روحاً في هذا العمود، أو هناك أحد مدفون بالقرب منه، أو ثم من يخدم هذا العمود من الأرواح الطيبة -كما يقولون-، فتمسح لأجل أن يصل إلى الله جل وعلا فهذا شرك أكبر.

وأما إذا تمسح باعتقاد أن هذا المقام مبارك وأن هذا سبب قد يشفيه، إذن قلنا إذا كان يتمسح لجعله سببا فهذا يكون شركا أصغر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت