والقولان الأولان قريبان من قول القاضي عبد الجبار، أما القول الثالث فيبدو أنه قول شاذ عندهم حيث لم ينسبه الأشعري إلى فرقة منهم، و إنما إلى شخص ينسب إليهم وهو، جعفر بن مبشر. [1]
أما حكمهم على مرتكب الصغيرة، فهم يرون أن مرتكبها لا يكفر، وأنه يغفر له إذا اجتنب الكبائر. وفي هذا المعنى يقول القاضي عبد الجبار: ( ... إن ما يستحقه المرء على الكبيرة من العقاب يحبط ثواب طاعاته، وما يستحقه على الصغيرة مكفر في جنب ماله من الثواب ... ) [2]
ب- رأي الخوارج:
نقل صاحب"مشارق أنوار العقول"ما كتبه ابن حجر الهيتمي في الزواجر من الأقوال في تعريف الكبيرة، ثم خرج بخلاصة في تعريف الكبيرة، فقال: (وحاصل ما ذكره أن الكبير من الذنوب هو ما ثبت فيه حد في الدنيا أو عذاب في الآخرة) [3] ، وقال خميس بن سعيد الرستاقي أحد علماء الأباضية [4] : (والكبائر ما جاء فيه وعيد في الآخرة أو حد في الدنيا، وقيل: ما قاد أهله إلى النار فهو كبير، وأما الصغير من الذنب فليس هو بشيء محدد إلا أنه قيل: ما دون الكبائر ... ) [5] .
أما حكمهم على مرتكب الصغيرة فمتفاوت، وسنقتصر هنا على كلام الأباضية في ذلك باعتباره المذهب المنتشر، ثم نشير إلى آراء أخرى عند غيرهم، يلخص صاحب"مشارق الأنوار"رأيهم فيقول:(اعلم أن للصغائر حكمين، أحدهما أنها مغفورة بفعل الحسنات، بشرط اجتناب الكبائر قال تعالى {إن الحسنات يذهبن السيئات} [6] وقال تعالى: {إن تجتنبوا كبائر مما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} [7]
والحكم الثاني: إن الإصرار عليها كبيرة ... ) [8] ولذلك يكفر المصر على الصغيرة [9] عندهم كفر نعمة.
(1) جعفر بن مبشر بن أحمد، أبو محمد الثقفي المتكلم، أحد المعتزلة البغداديين، له مصنفات وآراء انفرد بها، مات في بغداد سنة 234 ه-، انظر تاريخ بغداد 7/ 162، الأعلام 2/ 126.
(2) شرح الأصول الخمسة 632، وانظر أقوالهم في ذلك في مقالات الإسلاميين 271.
(3) مشارق أنوار العقول 2/ 270.
(4) هو: خميس بن سعيد بن علي بن مسعود الثقفي، عاش في أواخر القرن العاشر وأوائل القرن الحادي عشر، عاش في زمن سلطان بن سيف ثاني إمام اليعاربة، وكان عضدًا ومساعدًا له، له مصنفات أهمها منهاج الطالبين، في عشرين جزءًا، انظر مقدمة منهاج الطالبين.
(5) منهج الطالبين وبلاغ الراغبين 2/ 206، وانظر جامع البسيوني 206.
(6) سورة هود، آية: 114.
(7) سورة النساء، آية: 31.
(8) مشارق أنوار العقول 2/ 273.
(9) انظر منهاج الطالبين 2/ 197، ومشارق الأنوار 2/ 278.