ذكر علماء السنة أن شروط لا إله إلا الله (اليقين المنافي للشك) ، واستدلوا لذلك بنصوص كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم ( .. أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما غير شاك فيهما إلا دخل الجنة ) ) [1] وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة (اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة ) ) [2] (، قال الشيخ حافظ حكمي ? -رحمه الله -? موضحًا هذا الشرط: (بأن يكون قائلها مستيقنًا بمدلول هذه الكلمة يقينًا جازمًا، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن، فكيف إذا دخله الشك، قال الله -? عز وجل:(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) ) [3] (، فاشترط في الصدق إيمانهم بالله ورسوله كونهم لم يرتابوا،) [4] (أي لم يشكوا، فأما المرتاب فهو من المنافقين -? والعياذ بالله -? الذين قال الله تعالى فيهم:(إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون ) ) [5] (، ثم ذكر الحديثين السابقين وعلق عليهما قائلًا:(فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنًا بها قلبه غير شاك فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط ) ) [6] (.
قال الإمام ابن القيم - رحمه الله - موضحًا منزلة اليقين وأهميتها، ومعارضتها لكل شك وريب: (فاليقين روح أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح، وهو حقيقة الصديقية، وهو قطب هذا الشأن الذي عليه مداره ... ومتى وصل اليقين إلى القلب امتلأ نورًا وإشراقًا، وانتفى عنه كل ريب وشك وسخط) ثم ذكر من تعريفات اليقين (المكاشفة، وهو على ثلاثة أوجه: مكاشفة في الأخبار، ومكاشفة بإظهار القدرة، ومكاشفة القلوب بحقائق الإيمان، ومراد القوم بالمكاشفة: ظهور الشيء للقلب بحيث يصير نسبته إليه كنسبة المرئي إلى العين، فلا يبقى معه شك ولا ريب أصلًا، وهذا نهاية الإيمان، وهو مقام الإحسان ) ) [7] (، إذًا هناك ترابط بين اليقين والإحسان، فغاية اليقين، هي الإحسان، لكن الإحسان في عمل الجوارح واليقين في عمل القلب، وكذلك هناك ترابط بين العلم واليقين فالعلم أول اليقين) [8] ، وليس مقصودنا هنا الكلام عن اليقين وأنواعه ودرجاته، وإنما المقصود الإشارة إلى اليقين الذي هو شرط في الإيمان والنجاة في الآخرة، وكذلك الكلام عن الشك الذي هو ناقض من نواقض أصل الإيمان، فأما اليقين الذي هو شرط في صحة الإيمان فهو حقيقة العلم بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومن ثم ذكر بعض العلماء (العلم) شرط مستقل من شروط الشهادتين مستدلين بقوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ) ) [9] (، وقول النبي صلى الله عليه وسلم:(من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة ) ) [10] (فمن شك في الله أو في رسوله وما جاء به عن الله فهو كافر لا شهادة له ولا إيمان) [11] (فالشك نقيض اليقين) [12] (،(وهو التردد بين شيئين، كالذي لا يجزم بصدق الرسول صلى الله عليه وسلم ولا بكذبه، ولا يجزم بوقوع البعث ولا عدم وقوعه .. ) ) [13] (.
قال الإمام ابن القيم ?- رحمه الله ?- في معرض كلامه عن أنواع الكفر الأكبر: (أما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا يكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألوم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها، وأما مع التفاته إليها ونظره فيها، فإنه لا يبقى معه شك ... ) ) [14] (.
فكفر الشك ?- كما يظهر من كلام الأئمة، يشير كفر الإعراض، إلا أن كفر الإعراض يتعلق بعمل القلب فلا يلزم أن يكون صاحبه جاهلًا، أما كفر الشك فيتعلق بقول القلب بسبب اختلال شرط العلم والله أعلم.
بعض الأمثلة التي ذكرها العلماء حول كفر الشك:
منها الشك في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم أو الشك في البعث، أو الشك في كفر الكافر، أو الشك في شيء من القرآن أو الشك في حكم من الأحكام، قال القاضي عياض - رحمه الله - عند كلامه عن بعض المكفرات: (وكذلك من أضاف إلى نبينا الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه، أو سبه ... فهو كافر بإجماع) [15] (. وقال أيضًا:( ... ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهار ما أظهره من خلاف ذلك ) ) [16]
(1) رواه مسلم، كتاب الإيمان، مسلم بشرح النووي 1/ 224.
(2) نفسه 1/ 237.
(3) سورة الحجرات، آية: 15.
(4) الريب والريبة: الشك والظن والتهمة ... قال القتيبي: الريبة والريب: الشك، لا ريب فيه: لا شك فيه، قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه) (البقرة 2) أي لا شك فيه، لسان العرب 1/ 442، قال ابن أبي حاتم: (لا أعلم في هذا خلافًا) تفسير ابن كثير 1/ 71 وانظر تفسير الطبري (شاكر) 1/ 228، 229.
(5) سورة التوبة، آية: 45.
(6) معارج القبول 1/ 378، 379.
(7) مدراج السالكين 2/ 413 - 415.
(8) انظر إيضاح لذلك في رسالة د. سفر الحوالي (ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي) رسالة دكتوراه، (مطبوع على الآلة الكاتبة) ، ص 432، 434.
(9) سورة محمد، آية: 91.
(10) رواه مسلم، كتاب الإيمان 1/ 218.
(11) انظر رسالة الدكتور سفر الحوالي 431 - 432.
(12) انظر لسان العرب 10/ 451.
(13) الضياء الشارق لسليمان بن سحمان 374.
(14) مدارج السالكين 1/ 367.
(15) الشفا 2/ 1069.
(16) الشفا 2/ 1071.